الرئيسية / مقالات رأي / بوتين والتحول التاريخي

بوتين والتحول التاريخي

بقلم: مفتاح شعيب – صحيفة الخليج

الشرق اليوم- لا يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الغرب لحظة لالتقاط الأنفاس في خضم الصراع المحتدم على خلفية الحرب في أوكرانيا. وبينما ظلت الدول الأوروبية والولايات المتحدة تراهن على فاعلية “عقوباتها التاريخية” لإضعاف موسكو وحتى إهانتها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، لا يبدو سيد الكرملين قابلاً للخضوع أو حتى التفاوض.

من أقصى الشرق الروسي وبعد حضوره مناورة “فوستوك 2022” الكبرى، أكد بوتين، من منصة المنتدى الاقتصادي الشرقي في مدينة فلاديفوستوك، أن بلاده ربحت ولم تخسر من تدخلها في أوكرانيا، وهدد بمقاطعة شاملة ووقف شحنات النفط والغاز والفحم إلى الدول الأوروبية التي تفكر في تحديد سقف لأسعارالنفط والغاز الروسيين، كما توعد بإلغاء العقود المبرمة، لكنه ترك الباب موارباً بإعلانه الاستعداد لتشغيل خط أنابيب “نورد ستريم 2” لنقل الغاز إلى أوروبا “بدءاً من الغد”، إذا سمح الاتحاد الأوروبي بذلك وأعاد توربينات الضخ إلى موسكو. وفي المقابل، لا يبدو الغرب مستعداً للتنازل عن كبريائه ومازال يدمن خطابات الوعد والوعيد، وتمعن وسائل إعلامه في الاستخفاف بالخصوم الدوليين عبر الدس والتحريض وقلب الحقائق في أغلب الأحيان، واعتماد أساليب جرى تجريبها في السابق ونجحت نسبياً في بعض الصراعات، لكن هذه المرة تبدو روسيا، خصماً مختلفاً، بعد أن تلقت الإهانات على مدار 30 عاماً، وبعدما انفجر الصراع في أوكرانيا، تم تصويرها “دولة متوحشة” تهدد الحضارة. وكل هذه التفاصيل، لم تأت من فراغ، بل تعكس واقعاً مأزوماً وحيرة مستبدة، في وقت يشير فيه مسار الأحداث إلى أن زلزالاً جيوسياسياً يهز العالم ويضرب منظوماته المختلفة.

من الجمل اللافتة، التي قالها بوتين في فلاديفوستوك، أن روسيا تراهن على آسيا، وتحدث عن تقارب كبير مع المارد الآسيوي الآخر، الصين التي سيلتقي رئيسها شي جين بينغ الأسبوع المقبل في أوزبكستان. ومن المتوقع أن يحمل اللقاء بين الزعيمين، ضمن قمة مجموعة شنغهاي، رسائل عديدة إلى الغرب الذي لا يخفي انزعاجه وضيقه من أي تقارب بين موسكو وبكين، خصوصاً في ظل توسع الأزمة الاقتصادية والزيادة المرعبة في أسعار الطاقة والمواد الغذائية. ومثلما أكد بوتين أن بلاده ربحت من تداعيات الأزمة في أوكرانيا، فإن الصين تعتبر أكبر الرابحين، بينما لم تجن الدول الغربية شيئاً إلى الآن. ولم يجانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصواب، عندما اعتبر أن أوروبا “تحصد ما زرعته” جراء عقوباتها على روسيا، التي وصفها بأنها “ليست دولة يستخف بها”، وذلك قبل أن يتهم الغرب بإرسال أسلحة “خردة” إلى أوكرانيا، ثم ينتظر تحقيق “نصر” على روسيا.

تحدث الرئيس الروسي عن مقاومة غربية لمجرى التاريخ، وذلك ما تفعله الدول الأوروبية والولايات المتحدة فعلاً، التي ضخت نحو 60 مليار دولار دعماً لأوكرنيا في محاولة لإحباط أي تغيير للهيمنة الغربية على النظام الدولي، وجعل روسيا تنكفئ داخل حدودها، بيد أن المعركة ليست بين شرق وغرب، وإنما بين حقبة تنتهي وأخرى تتشكل، وهذا ما يجعل من الصراع متعدد الوجوه وطويلاً ومليئاً بالمفاجآت أيضاً.

شاهد أيضاً

عن «السيادة» الرقمية نتحدّث

بقلم: مشاري الذايدي – الشرق الأوسط الشرق اليوم- جلطة رقمية أصابت العالم، بعد «نكسة» شركة …