في مقال رأي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 20 ديسمبر، لخص الكاتب روس دوثات المشهد السياسي الحالي بعبارة دقيقة: “انظر إلى ما تفعله الإدارة فعلياً، وليس فقط إلى ما تقوله، وستجد أن السياسة الخارجية المتشددة التي ربما كنت تتوقعها من رئيس مثل روبيو حاضرة بوضوح في سياسات الولاية الثانية لترامب”.
هذه الملاحظة من دوثات تلتقط التحول الجذري في واشنطن؛ فبعد أن كان ماركو الصغير مادة للسخرية خلال الانتخابات التمهيدية لعام 2016، أصبح اليوم القوة الهادئة والحاسمة التي تعيد تشكيل الدور الأميركي عالمياً، مازجاً بين شعار “أميركا أولاً” ومبادئ المؤسسة التقليدية الصارمة.
يصفه الرئيس ترامب دائماً بأنه أعظم وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة، مشيداً بذكائه الدبلوماسي ودوره في تحقيق إنجازات غير مسبوقة في السلام بالشرق الأوسط، وفنزويلا، والعلاقات الدولية. وقال عنه ترامب: “ماركو سيدخل التاريخ كأفضل وزير خارجية”، وأضاف أنه “علمني الدبلوماسية”.
ماركو روبيو، وهو ابن مهاجرين كوبيين، يجسد في مساره السياسي المؤسسة التقليدية في السياسة الخارجية الأمريكية، والتي تشير إلى تحالف النخب في وزارة الخارجية والبنتاغون والمجتمع الاستخباري والأوساط الأكاديمية التي تتبنى نظرة تدخلية ليبرالية أو محافظة تقليدية للقوة الأمريكية. نشأت هذه المؤسسة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتبنت عقيدة الاحتواء خلال الحرب الباردة، ودفعت نحو توسيع الناتو والعولمة الليبرالية.
نجح روبيو في تقديم سياسات المؤسسة التقليدية بلغة “أميركا أولاً”، مبرراً التدخلات كضرورة للأمن القومي الأمريكي المباشر وليس كخدمة للنظام الدولي الليبرالي.
يُصنف روبيو بأنه أحد أبرز ممثلي المحافظين الجدد في الجيل الحالي. هذه الأيديولوجية، التي نشأت بقوة بعد أحداث 11 سبتمبر، تؤمن باستخدام القوة العسكرية الأمريكية بشكل استباقي لنشر القيم الأمريكية، ومواجهة الأنظمة الاستبدادية بصلابة دون مساومة، وتبني التفوق الأخلاقي والعسكري الأمريكي، والاعتقاد بأن الأمن الأمريكي يتحقق عبر إعادة تشكيل المناطق المضطربة.
حالياً، تصفه بعض مراكز الأبحاث والصحف الأمريكية بالصقر (hawk) أو “نيو-ريغاني” (neo-Reaganite) وليس من المحافظين الجدد، لأنه تخلى عن حروب تغيير الأنظمة الكبرى مثل العراق، وأصبح أكثر تركيزاً على مصالح أمريكا المباشرة ومكافحة المخدرات في أمريكا اللاتينية، ومواجهة الصين كتهديد رئيسي وإيران، لكن دون بناء الأمم.
في ولاية ترامب الثانية أظهر روبيو براعة في تغليف الأيديولوجية التدخلية للمحافظين الجدد بغطاء البراغماتية الترامبية. حيث صور الضربات الناجحة على منشآت إيران النووية لمنع طهران من الابتزاز النووي، وليس لنشر الديمقراطية. والتدخل العسكري في فنزويلا يُصوّره كحرب على المخدرات والإرهاب لحماية الحدود الأمريكية، وتأمين المنطقة من نفوذ الخصوم.
هذا النهج يعكس تكييفاً لمبادئ “أميركا أولاً” لتشمل التدخلات العسكرية التي تخدم الأمن القومي المباشر، متجاوزاً تعهدات ترامب السابقة بتجنب الحروب الخارجية.
وفي سوريا كان هو صاحب المقولة الشهيرة أمام الكونغرس: “إذا رفعنا العقوبات عن النظام الجديد فهناك فرصة أنه قد ينجح أو قد لا ينجح، ولكن إذا لم نساعدهم ونرفع العقوبات فبالتأكيد أنه لن ينجح”.
والآن يقال بأنه يواجه اختباراً صعباً في طريقة التعامل مع الملف الإيراني حيث يعتمد ترامب عليه كثيراً في هذا الحقل الشائك.
بعد مرور عام تقريباً على انطلاق ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، أثبت وزير الخارجية ماركو روبيو أنه العنصر الأكثر فاعلية في الإدارة. فقد نجح في تحويل خصومته السابقة مع الرئيس إلى تحالف استراتيجي، ليصبح هو من يقود السياسة الدولية للإدارة. وقد تجلى هذا الصعود منذ لحظة ترشيحه في نوفمبر 2024، وتأكيده بالإجماع في مجلس الشيوخ (99-0) في يناير 2025، ليصبح أول لاتيني يشغل منصب وزير الخارجية، والوزير الثاني والسبعين في تاريخ البلاد.
لم يتوقف نفوذ روبيو عند الخارجية؛ فقد شهد مايو 2025 نقطة تحول كبرى حين عينه ترامب مستشاراً للأمن القومي بالوكالة، ليجمع بين المنصبين في سابقة لم تحدث منذ عهد هنري كيسنجر في السبعينيات.
منح هذا الوضع المزدوج روبيو سلطة غير مسبوقة على مجلس الأمن القومي، مما أتاح له مركزية القرار وتوجيه السياسة الخارجية والعمليات الأمنية بيد واحدة، حتى بات يُعرف في الأوساط الإعلامية بلقب “وزير كل شيء”.
وفي منصات التواصل الاجتماعي تظهر “الميمات” دائماً أنه مستعد للقيام بكل الوظائف الصعبة التي يعجز عنها الجميع، حتى إنه تم طرح اسمه لتولي منصب وزير الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم التي تواجه صعوبات وتدقيقاً كبيراً في ملف الهجرة.
يُظهر هذا المسار أن دوثات كان محقاً؛ فماركو روبيو يحقق رؤيته عبر ترامب. الرجل الذي استُخف به سابقاً كمرشح للمؤسسة التقليدية، أصبح الجسر الذي يربط الأيديولوجية المحافظة بالقوة الانعزالية الشرسة.
ولأنه لا يمكن التنبؤ بقرارات ترامب، لا يمكن استبعاد أن يطرحه مرشحاً لعام 2028؛ ولن يفاجئني هذا الأمر، فقد أثبت أنه اليد الثابتة القادرة على تحويل شعارات “أمريكا أولاً” إلى واقع ملموس دون ضجيج، وهي ميزة تحظى بتقدير كبير لدى الرئيس.
الشرق اليوم اخباري تحليلي
