قد يكون من الصعب على قادة أوروبا أن يتحدثوا صراحة عن ضرورة التوجه إلى الاقتصاد الصيني لإنقاذ اقتصاداتهم المتداعية، وهم الذين بنوا سردياتهم السياسية على معاداة الصين وشنّ حروب مالية واقتصادية عليها، غير أن حجم الأزمة الأوروبية وتخلي الولايات المتحدة عن دول القارة العجوز، فرض هذا الخيار الذي أزعج واشنطن.
قادة الدول الأوروبية غيروا خطابهم السياسي تجاه الصين مئة وثمانين درجة، فبعد سنوات من الاتهام بالإضرار باقتصاداتهم وإغراق أسواقهم، باتوا يتحدثون عن أهمية استثمار الفرص الاقتصادية التي توفرها الصين وأهمية زيادة الاستثمارات المتبادلة وتأسيس شراكات اقتصادية مستدامة.
في قراءة لجملة المواقف الأوروبية، نرصد تحولاً جذرياً ورغبة جامحة في إقامة شراكات جديدة مع الصين، فهذا رئيس حكومة بريطانيا يقول إن بلاده «لا تستطيع تجاهل الفرص الاقتصادية التي تقدمها الصين، لكن يجب عليها أيضاً أن تظل منتبهة لأية تهديدات أمنية محتملة». مضيفاً أنه: «ليس من المنطقي أن نتجاهل الأمر وندفن رؤوسنا في الرمال عندما يتعلق الأمر بالصين، فمن مصلحتنا التواصل معها.. ستكون زيارة مهمة للغاية بالنسبة لنا، وسنحقق تقدماً ملموساً».
وفعلاً عاد ستارمر من الصين باتفاقيات اقتصادية ضخمة وكذلك برؤى سياسية جديدة بلغت حتى الحديث عن «ضرورة تعزيز العلاقات بين البلدين بمواجهة التحديات الجيوسياسية». ومعتبراً أن الخلافات القائمة يجب ألا تحول دون التعاون الثنائي. مشدداً على أن «الصين لاعب محوري على الساحة الدولية، ومن الحيوي بناء علاقة أكثر عمقاً معها لا تمكننا من تحديد فرص التعاون فحسب، بل تسمح لنا أيضاً بإقامة حوار هادف حول القضايا التي نختلف فيها». وغير بعيد عن بريطانيا التي تغرد لسنوات خارج فضاء الاتحاد الأوروبي، تقف باريس في مفترق عاصف سيحدد مستقبلها ربما لسنوات أو حتى عقود قادمة.
فعلى ما يبدو ضجت باريس من تقلب المزاج الأمريكي المرتبط بتغير إدارات البيت الأبيض، ووصلت إلى يقين أنّ وضع الخيارات والمصالح كلها في سلة البيت الأبيض ليس خياراً صحيحاً، وعليه فإن ماكرون زار الصين مرتين متتاليتين ساعياً إلى فتح ثغرة في جدار العلاقات الأصمّ مع بكين، وهذه المرة ومن دافوس، وفي لحظة تشهد تصاعداً في الحروب التجارية وتآكلاً في قواعد الحوكمة العالمية، وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التعاون الاقتصادي مع الصين في صلب رؤيته لإعادة ضبط الاختلالات العالمية، معتبراً أن المواجهة الصفرية أو الانغلاق لا يقدّمان حلولاً، وأن «المخرج الوحيد هو المزيد من التعاون، وبناء مقاربات جديدة».
أما إيطاليا التي كانت عضواً في مبادرة الحزام والطريق الصينية ثم خرجت منها، فسعت رئيسة حكومتها جورجيا ميلوني إلى إحياء العلاقات وأطلقت خطة الثلاث سنوات 2024 -2027 لترجمة التقارب الاقتصادي والتجاري بين روما وبكين، وخلال زيارته إلى روما في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أكد وزير خارجية الصين وانغ يي أنه في عالم يشهد تغيرات واضطرابات، يجب على الصين وإيطاليا – باعتبارهما ممثلتين بارزتين للحضارات القديمة في الشرق والغرب – أن تستمدا الحكمة والإلهام من تاريخهما الغني، وأن تقدما حلولاً عقلانية وعملية للتحديات العالمية الملحة.
ولم تتغيب إسبانيا عن قافلة «الحج إلى بكين»، فملك إسبانيا قام برحلة خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إلى بكين، عرض الرئيس الصيني شي جين بينغ على ملك إسبانيا فيليبي رؤية للتعاون في وقت تسعى فيه بكين للحصول على دعم إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي مقابل المزيد من الأمن الاقتصادي لشريكها الأوروبي. أما ألمانيا أكبر اقتصاد أوروبي فإنها وثقفت علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وزادت استثماراتها بنحو الضعف في ظرف سنة واحدة ما يعكس الرغبة في البحث عن اقتصاد آمن، يوفر للشركات الألمانية بيئة أكثر استقراراً في سوق واسعة وجاذبة، إذ أظهرت البيانات أن الاستثمارات في الصين ارتفعت إلى أكثر من 7 مليارات يورو (8 مليارات دولار) بين يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2025 بزيادة 55.5% عن نحو 4.5 مليار يورو في عام 2024.
الشرق اليوم اخباري تحليلي