by Patrick Clawson- washingtoninstitute
بغض النظر عما قد يقوله الرئيس ترامب بشأن إمكانية التوصل إلى “صفقة جيدة” مع إيران، فإن الامتناع عن العمل العسكري بعد أسابيع من التحذيرات الأمريكية الخطيرة من شأنه أن يقنع طهران على الأرجح بأنها قادرة على بث الخوف في نفوس الحكومات الأخرى.
إلى جانب التحليلات المهمة لخيارات الضربات والعواقب المحتملة في حال شنّت الولايات المتحدة هجومًا جديدًا على إيران، يجدر بنا أيضًا التفكير في التداعيات التي ستترتب على عدم شنّ الولايات المتحدة أي ضربة. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل التقارير المتعددة التي تشير إلى أن المحادثات متعددة الأطراف المقرر عقدها في إسطنبول في السادس من فبراير/شباط قد تركز فقط على المسائل النووية، بدلًا من التطرق إلى مجموعة واسعة من القضايا الأخرى التي تُعدّ جوهرية في السياسة الأمريكية تجاه إيران، بدءًا من مخاوف حقوق الإنسان التي دفعت الرئيس ترامب إلى التهديدات العسكرية، وصولًا إلى مخاوف أمريكا الأمنية طويلة الأمد بشأن انتشار الصواريخ وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
مهما يكن، فإن ممارسات ترامب السابقة تشير بقوة إلى أنه سيربط النجاح مباشرةً بتهديداته باستخدام القوة. ومع ذلك، ستواجه الإدارة تحديات كبيرة في تصوير أي خطوات متواضعة قد تنجم عن جولة المحادثات الجديدة على أنها انتصار أمريكي. من المرجح أن يقارن الشعب الإيراني وقادة النظام والمراقبون في جميع أنحاء الشرق الأوسط هذه الادعاءات بتصور أن الهدف الحقيقي لأمريكا هو سقوط الجمهورية الإسلامية، وهو أمر مستبعد للغاية في المستقبل القريب. لذلك، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين توقع شكوك واسعة النطاق حول ما إذا كانت طهران – أو واشنطن – ستلتزم بأي اتفاق نووي مبدئي يتم التوصل إليه في الأيام المقبلة.
الخوف من قدرات إيران
لدى طهران أسباب وجيهة للاعتقاد بأنها قادرة على بثّ الخوف في نفوس الحكومات الأخرى. فخلال الشهر الماضي، صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن بلاده لن تهاجم إيران في الوقت الراهن، وقد حذت حكومات عديدة في المنطقة – بما فيها مصر وعُمان وقطر والسعودية – حذو القدس في حثّ الولايات المتحدة على عدم توجيه ضربة عسكرية الآن. واستبعدت الرياض والإمارات العربية المتحدة علنًا استخدام مجالهما الجوي أو أراضيهما لأي عمل عسكري هجومي ضد إيران، على عكس صمتهما العلني قبل حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت الصيف الماضي. (ولم تستخدم واشنطن منشآت في أي من البلدين خلال تلك الحملة، بناءً على طلبهما على ما يبدو). وقد أصابت صحيفة نيويورك تايمز كبد الحقيقة عندما كتبت أن “المسؤولين الإسرائيليين والعرب يخشون أن ترد إيران بضرب بلدانهم”. بعبارة أخرى، إذا اختارت الولايات
المتحدة عدم الهجوم، فسيكون لطهران ما يبرر استنتاجها بأن قدراتها العسكرية (وخاصة صواريخها) كانت عاملاً مهماً في هذا القرار.
في الواقع، لاقت تحذيرات الحلفاء بشأن مخاطر شنّ ضربة أخرى آذاناً صاغية في طهران. وخلافاً للتصورات الأمريكية، أعلن مسؤولون إيرانيون على جميع المستويات بصوت عالٍ وبشكل متكرر أن إجراءاتهم الانتقامية ألحقت أضراراً جسيمة خلال حرب الأيام الاثني عشر. ورغم أن العديد من هذه التصريحات مبالغ فيها إلى حد ما، إلا أن إحدى حججهم الرئيسية يصعب إنكارها، ألا وهي أن إيران لم تطلب قط وقف القتال الذي دار العام الماضي، وأن وقف الحرب كان قراراً اتخذه الطرف الآخر. علاوة على ذلك، فهم محقون في ملاحظتهم أن إسرائيل لم تكشف قط عن الحجم الكامل للأضرار الناجمة عن الضربات الصاروخية الإيرانية، جزئياً لإخفاء هذه التفاصيل عن طهران. ما أقرت به القدس هو أن اثنتين من تلك الضربات وحدها – على معهد وايزمان للعلوم ومصفاة حيفا – كلّفتا مئات الملايين من الدولارات أو أكثر لإصلاح الأضرار. إضافة إلى ذلك، أفادت التقارير أن أصحاب المنازل الإسرائيليين قدّموا مطالبات بتعويضات قدرها 1.5 مليار دولار عن الأضرار الناجمة عن حرب يونيو.
يبدو أن إيران تعتقد أن مخزونها الصاروخي يصمد بشكل أفضل من مخزونات أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والإسرائيلية، رغم اعترافها بتعرض منصات إطلاق صواريخها لأضرار جسيمة. ووفقًا لتحليلات إسرائيلية سرية، تشير التقديرات إلى أن إيران فقدت ما يصل إلى 80% من أنظمة دفاعها الجوي عند إعلان وقف إطلاق النار الصيف الماضي، وأكثر من ثلثي منصات الإطلاق. وتشير هذه التقديرات أيضًا إلى أن الضربات الإسرائيلية دمرت عددًا أكبر بكثير من الصواريخ مقارنةً بما تمكنت إيران من إطلاقه. لكن الأهم من ذلك، أن النظام احتفظ بنصف مخزونه تقريبًا من الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى إسرائيل. عمومًا، معظم مخزونها الصاروخي المتبقي عبارة عن أنظمة قصيرة المدى غير مناسبة لضرب إسرائيل، لكنها قادرة على الوصول إلى أهداف في الدول المجاورة، بما في ذلك منشآت تستخدمها الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن إيران أحرزت تقدمًا ملحوظًا في استعادة إنتاج الصواريخ بعيدة المدى، مع أن مزاعمها بأن الإنتاج أعلى مما كان عليه قبل الحرب تبدو غير مرجحة.
في المقابل، أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها ما يقارب 100 إلى 150 صاروخًا اعتراضيًا من طراز ثاد (THAAD) خلال الحرب، وهو رقم كبير بالنظر إلى أن إجمالي المخزون العالمي من هذه الذخائر يتراوح بين 500 و600 صاروخ، وأن الإنتاج السنوي بطيء عمومًا (على سبيل المثال، لم يُنتج سوى 11 صاروخًا من طراز ثاد في عام 2023). كما حذر البنتاغون مرارًا وتكرارًا من أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت أقل بكثير من اللازم لأغراض الدفاع في ظل التهديدات العالمية الراهنة. ورغم أن إسرائيل لم تُفصح عن معلومات بشأن مخزونها من الصواريخ المضادة للصواريخ، تشير تقديرات من مصادر موثوقة إلى أنه أقل بكثير مما كان عليه قبل الحرب.
على نطاق أوسع، تُشير تحذيرات الحلفاء بشأن قدرات إيران الانتقامية، بما في ذلك تحذيرات إسرائيل، إلى الكثير حول نظرة المنطقة إلى موازين القوى الحالية. ورغم إعجاب واشنطن، عن حق، بالطريقة التي انتصرت بها إسرائيل في المعركة الافتتاحية في يونيو الماضي (مثل قتل العديد من كبار المسؤولين العسكريين والنوويين الإيرانيين، والعمليات الجوية الإيرانية دون عوائق تُذكر)، إلا أن هذه ليست الصورة الكاملة. فمناشدات المنطقة لواشنطن تُظهر مخاوف واضحة بشأن ما قد تُقدم عليه إيران في جولات القتال المستقبلية.
خيبة أمل بين الشعب الإيراني
حتى بعد المجازر التي ارتكبها النظام ضد المتظاهرين في 8 و9 يناير/كانون الثاني، حث الرئيس ترامب الإيرانيين على مواصلة المسيرات. ففي 13 يناير/كانون الثاني، نشر قائلاً: “أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج، وسيطروا على مؤسساتكم. المساعدة قادمة”. كما حذر من أن المسؤولين عن “القتل العبثي… سيدفعون ثمناً باهظاً”، مدعياً أن “يوم الحساب والقصاص قادم”.
في ضوء هذه التصريحات، ليس من المستغرب أن العديد من الإيرانيين الذين يكرهون النظام – لا سيما بعد المجازر الأخيرة – لا يأملون فحسب، بل يتوقعون أيضاً أن تشن الولايات المتحدة هجوماً. وتسود حالة من التوتر داخل الجمهورية الإسلامية، كما يتضح من الشائعات المنتشرة على نطاق واسع بأن هجوماً أجنبياً يقف وراء الانفجارات العرضية الأخيرة في مواقع مختلفة (والتي أصبحت الآن ظاهرة متكررة نظراً لسوء إدارة البلاد وتدهور بنيتها التحتية). وتنتشر أيضاً التكهنات بأن الولايات المتحدة تعتزم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، حيث تحذر مصادر في النظام بشدة من العواقب الوخيمة لأي محاولة من هذا القبيل، بينما تعرب أصوات شعبية عن أملها في حدوث ذلك.
إذا لم تتخذ الولايات المتحدة أي إجراء بعد كل هذه التحذيرات والوعود والشائعات، فسيشعر الكثيرون في إيران باستياء شديد. قد يقارن بعض المعلقين الغربيين الوضع بعام 1991 (حين نُظر إلى واشنطن على أنها تشجع العراقيين على الإطاحة بصدام حسين) أو عام 1956 (حين حثّ مسؤولون أمريكيون المجريين بشكل غير مباشر على مقاومة الاحتلال السوفيتي)، لكن المقارنة الأوضح بالنسبة لكثير من الإيرانيين ستكون عام 2009، حين لم تفعل الولايات المتحدة الكثير لتشجيع حركة الاحتجاج الجماهيرية التي أشعلتها الانتخابات الرئاسية المزورة للنظام. حتى المدنيون الذين ليسوا على دراية كبيرة بالسوابق التاريخية سيشعرون على الأرجح بخيبة أمل واستياء لأن كلمات ترامب لم تُترجم إلى أفعال، بينما سيصوّر النظام بلا شك تراجع الولايات المتحدة على أنه “دليل” على أن واشنطن تُقرّ بجذور الجمهورية الإسلامية العميقة.
ما مدى أهمية هذا الأمر؟
ينبغي أن تستند المناقشات الأمريكية حول الخطوات التالية إلى فهم واقعي لكيفية نظر صناع القرار في إيران وبقية دول الشرق الأوسط إلى نتائج استخدام أمريكا السابق للقوة. وبينما قد تعتبر واشنطن حرب الأيام الاثني عشر كارثة كاملة لإيران، فإن الرسائل الصادرة عن إسرائيل وحكومات أخرى تشير إلى أنها لا تزال تحترم القدرات العسكرية الإيرانية.
بالطبع، يُعدّ هذا العامل الإدراكي أحد العناصر العديدة التي ينبغي أن تُؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ الولايات المتحدة قرارًا بشأن العمل العسكري، وليس بالضرورة العنصر الأهم. فعلى سبيل المثال، إذا لم يعتقد المستشارون الأمريكيون أن الضربة ستُحقق الكثير في الوقت الراهن، فسيكون من الأفضل تحمّل التكاليف المترتبة على عدم الهجوم على سمعة الولايات المتحدة، بدلًا من تحمّل العواقب الوخيمة المحتملة لشنّ ضربات ذات تأثير ضئيل أو معدوم. وإذا قرر الرئيس ترامب عدم الهجوم، فبإمكان إدارته الحدّ من الضرر الذي يلحق بمصداقية الجيش الأمريكي من خلال تسليط الضوء على جوانب مُحددة من استمرار ضعف إيران. كما يُمكنها أيضًا معالجة خيبة أمل الشعب الإيراني باتخاذ خطوات ملموسة لدعم المتظاهرين ، مثل اتخاذ تدابير أكثر صرامة لمساعدتهم على التواصل في ظلّ التعتيم الإعلامي والقمع الذي يشنّه النظام.
في نواحٍ عديدة، تُعدّ المشاكل التي قد تنجم عن عدم التحرك نتاجًا لتصريحات إدارة ترامب الصاخبة حول ما إذا كانت ستتحرك ولماذا. وتتمثل النصيحة المعتادة بشأن مثل هذه الضربات في التزام الصمت مسبقًا مع تحذير الخصم سرًا من أن الهجوم وشيك ما لم تُلبَّى شروط معينة. إلا أن هذا النهج لا يلقى قبولًا دائمًا لدى السياسيين الأمريكيين. فعندما كتب ترامب: “الوقت ينفد… الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير”، لم يكن سوى أحدث رئيس أمريكي يُصدر إنذارات علنية جريئة للخصوم، وكان آخرهم الرئيس أوباما الذي أصرّ في عام 2013 على ضرورة رحيل بشار الأسد، وحذّر في عام 2015 من أن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية “سيتجاوز الخط الأحمر”. وعلى الرغم من أن المستشارين والمحللين قد ينصحون بعدم اتباع هذا النهج، إلا أن السياسيين الأمريكيين غالبًا ما يتجاهلون هذه الاحتياطات. ويكمن التحدي الآن في صياغة ردود الفعل المحتملة على تقاعس الولايات المتحدة عسكريًا من خلال توضيح أن واشنطن لا تزال تحتفظ باليد العليا، بينما تبقى إيران هي الطرف الأكثر عرضة للخطر.
الشرق اليوم اخباري تحليلي
