الرئيسية / مقالات رأي / عندما يعلن “حزب الله” أنه سيقاتل إلى جانب إيران

عندما يعلن “حزب الله” أنه سيقاتل إلى جانب إيران

بقلم: طوني فرنسيس- العربية

تمسّك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى زيارته أنقرة بإجراء حوارٍ وطني في لبنان بعدما كان نعيم قاسم أمين عام الحزب الموالي لطهران قد أعلن قبل أربعة أيام فقط أنه وحزبه جزء لا يتجزأ من إيران نفسها، مما يستوجب جعل الدعوة الإيرانية إلى إجراء حوار لبناني إيراني وليس حواراً داخلياً لبنانياً، هذا إذا تجاهلنا الحاجة الملحّة إلى تنظيم حوارٍ إيراني داخلي تمنعه السلطات بالقمع الشديد.

ما حسمه وقرّره قاسم مع اشتداد التوتر الأميركي- الإيراني، من استعداد للقتال في صفوف جند الولي الفقيه، لا علاقة له بالداخل اللبناني، أو بأي حوار مزعوم، بقدر ما هو تلبية لقرار إيراني تنفذه فرقة أعدتها طهران ووظفتها في مهمات عدة جوهرها حماية نظام الملالي.

والواقع أن السلطات اللبنانية الجديدة انتبهت إلى حقيقة أن “حزب الله” إنما قام من أجل هذه الغايات الإيرانية، وهي في سعيها إلى استعادة سلطة الدولة وحصر السلاح في يد أجهزتها، دعت طوال العام الماضي، إيران إلى وقف تدخلها في الشؤون اللبنانية. ولم يبخل رموزها، أمام ممثلي المرشد علي خامنئي الذين توافدوا إلى بيروت، في إبلاغ الإيرانيين بسوء تدخلاتهم وضرورة وقفها، فقامت في وجه هؤلاء المسؤولين، بدءاً من رئيس الدولة، حملات ممنهجة استهدفتهم سياسياً وشخصياً ، نظمها الحزب الإيراني ومناصروه، وجعلت منهم أعداء وعملاء.

قفز “حزب الله” طوال تاريخه فوق موجبات الحوار الوطني الذي يعني إشراك المواطنين في تقرير مصيرهم ومستقبل وطنهم. فعل ذلك ضمن استراتيجية إيرانية صريحة وبرعاية سورية مديدة إبّان سيطرة النظام السوري البائد على لبنان.

لم يلتزم وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّت حلّ الميليشيات ابتداء من عام 1990، وانخرط باكراً في حروبه الخاصة لمصلحة إيران، بدءاً من البوسنة مطلع التسعينيات، ولاحقاً في العراق وسوريا واليمن، وعندما شن حربه ضد إسرائيل تضامناً مع حركة “حماس”، لم يسأل اللبنانيين عن رأيهم ولا استشار الدولة اللبنانية أو جيشها، وإنما كرر تجربة حرب 2006 التي توّجت حواراً وعد خلاله أمين عام الحزب الراحل حسن نصرالله بهدوء شامل قبل أن يشن حرباً مفاجئة، على وقع التفاوض الأميركي – الإيراني، أدت إلى دمار سيتكرر في أسوأ صوره في 2024، وليعود الاحتلال إلى الجنوب اللبناني، مترافقاً مع استباحة إسرائيلية غير مسبوقة للأراضي اللبنانية منذ ربع قرن .

لا معنى لعودة إيران إلى الحديث عن حوار بين اللبنانيين إلا في أنهم يرفضون رفع اليد عن لبنان بعدما اجتمعت مختلف الأسباب، إثر حرب غزة، على رفض تحكمهم بالقرار اللبناني، وهم في سلوكهم هذا إنما يكررون تجربة نظام الأسد السوري عندما كان يواجه الانتقادات اللبنانية لسياساته في لبنان، فيحوّل تلك الانتقادات إلى مشكلة لبنانية داخلية يتحكم بأطرافها، ويواجهها بالدعوة إلى حوار لبناني مستحيل ليخلص إلى الادعاء أن سوريا تدعم كل ما يتفق عليه اللبنانيون، وهم لا يتفقون.

“حزب الله” ورث التسلط السوري الأسدي في صيغته الإيرانية منذ خروج الجيش السوري من لبنان إثر اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري قبل 20 عاماً، وطوال عقدين تحكّم بمفاصل الحياة اللبنانية وسياسة لبنان الخارجية وعندما كانت القوى السياسية الأخرى تبدي اعتراضاً تتم مواجهتها بالترهيب وصولاً إلى القتل.

وطوال أعوام اعتاد حسن نصرالله الزعيم التاريخي ل”حزب الله” الذي قتلته إسرائيل في ال27 من سبتمبر 2024 أن يواجه منتقديه من اللبنانيين بسؤالهم “من أنتم لتنتقدوننا” ثم يردِف أنه “مع الحوار” ، كان نصرالله في الوقت نفسه أكثر ذكاءً أو تقيةً من وريثه نعيم قاسم، أو ربما كان مرتاحاً إلى موازين قوى جعلته “محور المحور” كما سماه يوماً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فعلى رغم أن نصرالله أعلن مراراً تبعيته الكاملة لإيران ووليّها، وتبنى كل حرف أو موقف يصدر من طهران ضد دول المنطقة متلقفاً إياه ومنظّراً له، لكنه مع ذلك كان حريصاً على رفض القول بتحويل لبنان ساحة حرب في حال تعرضت إيران للهجوم.

صحيح أن العمليات التي نفذها حزبه كانت بطلب وقرارٍ إيرانيين، إن كانت ضد إسرائيل أو في سوريا واليمن والعراق، إلا أن نصرالله كان يتهرب من الجواب عن سؤال أساس: ماذا ستفعل إذا هوجمت إيران مباشرة؟ كانت أجوبته ملتبسة دائماً. ربما لاعتقاده أن إيران قوية وليست ك”بيت العنكبوت” الإسرائيلي، وربما لأن القادة الإيرانيين أوحوا له، في حينه، أن التوترات القائمة، بما في ذلك دوره التنفيذي فيها، ليست أكثر من تعزيزٍ لموقع الوليّ الفقيه في التفاوض.

كان نصرالله دعا مقاتليه باكراً سبتمبر 2012 للاستعداد إلى يوم “قد ندخل فيه إلى الجليل”، بدت تلك الدعوة بعيدة عن الجاهزية الإيرانية المباشرة، وقُدمت بوصفها تعبيراً عن مناعة وقوة موقف “لبناني” بحت في مواجهة “دولة الاحتلال”، والتزاماً من التنظيم بموجبات القضية القومية الكبرى.

بدا نصرالله في حينه مستقلاً عن إيران ومناضلاً قومياً ووطنياً لا هاجس له سوى أرضه ومناعة شعبه، لكن هذا التحذير بالذات من اجتياح الجليل، هو ما سيستعمل في مفاوضات الاتفاق النووي الذي سيُنجَز بعد قليل.

لم يدخل “حزب الله” الجليل عندما أتيحت له الفرصة يوم اندلاع حرب غزة، كانت إيران لا تريد ذلك، مهمة الحزب أن يشعل ناراً هادئة فقط، وإبقاء اشتعالها بعيداً من عباءة الملالي.

هكذا، وحتى وقت متأخر بقي نصرالله يميّز نفسه عن بلاد فارس، في حديث إلى قناة “العالم” الإيرانية مطلع فبراير (شباط) 2022 قال إن حزبه لن يكون “متورطاً” في الرد على إسرائيل إن هي هاجمت إيران، ومضى في هذه السردية حتى إلى ما بعد اندلاع حربي غزة والإسناد.

شاهد أيضاً

حروب القوى المنهكة في الخليج العربي

بقلم: حميد دباشي- الجزيرة تستعرض أطراف هذا الصراع الثلاثة- الولايات المتحدة وذراعها الاستعمارية إسرائيل من …