الرئيسية / مقالات رأي / إبرام اتفاق آخر مع إيران أقل أهمية من ممارسة واشنطن للضغط السياسي.

إبرام اتفاق آخر مع إيران أقل أهمية من ممارسة واشنطن للضغط السياسي.

washingtoninstitute – by Michael Singh, Richard Nephew

بعد مرور ما يقارب ثمانية أشهر على حرب الأيام الاثني عشر، التي شهدت تعاون الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، تقف واشنطن مجدداً على حافة الحرب مع طهران. وفي مؤشر على قلق النظام الإيراني من العمل العسكري، أفادت التقارير أن وزير الخارجية عباس عراقجي وافق على لقاء المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف في السادس من فبراير، وربما بحضور وزراء خارجية دول إقليمية أخرى. ورغم التساؤلات التي أثيرت حول ما إذا كان اللقاء سيُعقد ومكانه، إلا أن الطرفين وصلا بوضوح إلى نقطة تحول، حيث تُبادر إيران إلى عرض الحوار مجدداً، والإدارة الأمريكية مستعدة للنظر فيه.

السبب المباشر للتوترات الحالية هو حملة القمع التي شنّها النظام الشهر الماضي ضد الاحتجاجات الواسعة، والتي أسفرت عن مقتل آلاف الإيرانيين. خلال تلك الاضطرابات، اتخذ الرئيس ترامب خطوة استثنائية بالوعد بالتدخل لصالح المتظاهرين. ومع تصاعد الاحتجاجات، حثّهم على “مواصلة الاحتجاج – السيطرة على مؤسساتكم” ووعدهم بأن “المساعدة قادمة”. ورغم إرساله قوات عسكرية إلى المنطقة، بما في ذلك مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن، إلا أن ترامب اختار في نهاية المطاف عدم التدخل أثناء الاحتجاجات نفسها، مؤكدًا أن تهديداته دفعت النظام إلى إلغاء عمليات الإعدام المخطط لها لمئات المتظاهرين. 

لم تتلاشَ مخاوف الولايات المتحدة بشأن حملة القمع التي يشنها النظام الإيراني، بل زادت من حدة المخاوف الأمنية الأخرى. فقد أدت الضربات المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عام 2025 إلى تأخير البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير، لكنها لم تقضِ عليه. بل على العكس، أصبح وضع البرنامج أكثر غموضًا من أي وقت مضى خلال العقود الماضية، وذلك بسبب الغياب الطويل للمفتشين الدوليين أو التقارير الموثوقة حول مصير المواد والأنشطة النووية. وبالمثل، تضررت منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية وترسانتها، لكنها لم تُدمر تمامًا، وقد دفعت الفعالية المذهلة لتلك الصواريخ السلطات الإسرائيلية إلى اعتبارها لا مجرد خطر، بل تهديدًا وجوديًا. كما اتخذت طهران خطوات لإعادة بناء شبكة شركائها ووكلائها، مثل استئناف تمويل حزب الله اللبناني إلى مستويات ما قبل أكتوبر 2023. 

حتى قبل احتجاجات يناير، ساد توقع واسع في الشرق الأوسط بأن الأشهر المقبلة ستشهد جولة أخرى من الضربات الإسرائيلية ضد إيران، يُرجح أن تركز على تقويض قدراتها الصاروخية. ويُتوقع الآن أن تُنفذ أي ضربات بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن يكون لها أهداف أوسع نطاقًا، وإن كانت غير واضحة حتى الآن، وربما تشمل تغيير النظام. ومع ذلك، وكما حدث في يونيو 2025، فقد طرح الرئيس ترامب مخرجًا دبلوماسيًا، مُشيرًا إلى أن طهران يُمكنها تجنب الضربات بالالتزام بتحذيرين: “لا للأسلحة النووية” و”وقف قتل المتظاهرين”. 

خياران أمريكيان، وتحديات متعددة

لطالما كانت الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية محفوفة بالصعوبات. فالقضايا الأربع التي يُرجّح أن تكون محور المحادثات المقبلة – البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ، ودعم الوكلاء الإقليميين والجماعات الإرهابية، وحقوق الإنسان – مطروحة على جدول الأعمال منذ عقود، ولكن بدرجات متفاوتة من التركيز. في عام 2015، وخلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، وُجّهت انتقادات لإدارة أوباما لتركيزها الضيق على القضية النووية وتجاهلها جميع القضايا الأخرى تقريبًا. دافع المسؤولون الأمريكيون آنذاك عن هذا القرار ووصفوه بأنه عملي واستراتيجي في آنٍ واحد، إذ كانوا يسعون لمعالجة أخطر القضايا وإفساح المجال أمام اتفاقيات مستقبلية بشأن مسائل أخرى ذات أهمية. 

من المستبعد أن تُجري واشنطن حسابات مماثلة هذه المرة. فإلى جانب كون الرئيس ترامب من أشد منتقدي الاتفاق النووي وانسحابه منه عام ٢٠١٨، فإن أي محاولة حالية لعقد اتفاق نووي فقط مع إيران لن تُعتبر مبدئية أو حتى عملية. بل على العكس، فإن منح إيران مهلة من الضربات أو تنازلات أخرى مقابل خطوات نووية فقط سيُنظر إليه على أنه تخلي عن التزام ترامب تجاه المتظاهرين الإيرانيين، على غرار قرار أوباما الشهير بعدم تطبيق “خطه الأحمر” ضد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية عام 2013. وقد لا يحقق الاتفاق النووي حتى الحد الأدنى من الهدف المتمثل في تجنب الصراع الإقليمي، إذ لا تزال إسرائيل عازمة على إضعاف برنامج الصواريخ الإيراني، الأمر الذي سيُجبرها على الأرجح على شن غارات جوية في الأشهر المقبلة في حال عدم التوصل إلى حل تفاوضي.

يبدو أن هذه العوامل لا تترك أمام الإدارة الأمريكية سوى خيارين: الضربات العسكرية ، أو “صفقة شاملة” تُراعي جميع مخاوف واشنطن. إلا أن أياً منهما لا يبدو مُرضياً. فليس لدى الإدارة ثقة تُذكر بأن الضربات الجوية والصاروخية وحدها كفيلة بتحقيق أهداف الولايات المتحدة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. فمعظم مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، على سبيل المثال، يُرجّح أن يكون مدفوناً تحت الأنقاض في المواقع التي استُهدفت في يونيو الماضي، أو مخبأً بأمان في أنفاق مُحصّنة. وبالتالي، سيتطلب الأمر التعامل معه يدوياً، ما يستلزم وجود قوات برية، أو مفتشين، أو جهة أخرى لدخول تلك المواقع. كما لا يُمكن للإدارة أن تثق بأن الضربات الجديدة – حتى لو كانت عمليات مُوجّهة ضد القيادة الإيرانية – ستُؤدي إلى تغيير النظام أو تشكيل حكومة جديدة أكثر توافقاً مع المصالح الأمريكية. 

قد يكون التوصل إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة. فمطالبة النظام بالتخلي عن قمعه للمعارضة، وقدراته الصاروخية، وشبكاته الإقليمية بالوكالة، وبرنامجه النووي، يُعد بمثابة مطالبة بتغيير جذري في استراتيجية الأمن القومي للجمهورية الإسلامية. ورغم ضعف النظام بشكل ملحوظ، فإنه لا يبدو مستعدًا لمثل هذا التغيير. يميل المعلقون الإيرانيون إلى وصف نتائج حرب العام الماضي بأنها طريق مسدود، ويعزون قرار الرئيس ترامب بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد بعد يوم واحد من الضربات الأمريكية إلى الردع الإيراني. قد يعتقد مسؤولو النظام أن التهديد بالصواريخ وعدم تكافؤ القوة كافٍ لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن شنّ المزيد من الحملات العسكرية، ولا شك أن هذا يشجعهم في حقيقة أن دول المنطقة سارعت إلى ثني إدارة ترامب عن شنّ ضربات جديدة. 

دفعت هذه العقبات البعض إلى اقتراح أن سياسة تغيير النظام هي السبيل الوحيد لتحقيق المصالح الأمريكية. ولكن في غياب خطة عملية لتحقيق ذلك، يبقى تغيير النظام مجرد طموح لا سياسة. فالأساليب المختلفة لمحاولة تحقيقه إما غير واقعية في سياق السياسة الأمريكية الراهنة (كالغزو الشامل مثلاً)، أو تبدو أنها ستستغرق وقتاً طويلاً (كالضغط غير العسكري على النظام ودعم الشعب الإيراني). وإذا مضت الولايات المتحدة قدماً في هدفها المعلن بتغيير النظام، فقد تأتي النتائج عكسية تماماً، إذ قد يُصعّد النظام قمعه للمتظاهرين، ويُعزز ترسانته الصاروخية ووكلائه، وربما يلجأ إلى امتلاك سلاح نووي لتجنب زواله.

طريقٌ عبر

على الرغم من هذه الصعوبات، تتمتع إدارة ترامب بمزايا كبيرة في أي مواجهة مع إيران: فمن شبه المؤكد أن النظام لا يقوم بتخصيب اليورانيوم في الوقت الحالي، وقد يتم ردعه عن محاولة تحقيق اختراق نووي باستخدام مخزونه الحالي بسبب مخاوف من هجوم أمريكي أو إسرائيلي؛ وكما أظهرت حرب يونيو، فإن إيران معرضة بشدة للهجوم، وقد تخلت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عن ترددهما في ضرب البلاد بشكل مباشر، مما يجعل التهديدات العسكرية ذات مصداقية عالية؛ إن وكلاء طهران الإقليميين غير قادرين حاليًا على الدفاع عنها بشكل حاسم، ولم يُبدِ شركاء مثل روسيا والصين أي استعداد للقيام بذلك؛ وتواجه إيران تحديات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة في الداخل.

مع أخذ هذه المزايا في الاعتبار، ينبغي لإدارة ترامب أن تفكر بشكل أقل في “صفقة” مع طهران، وأكثر في كيفية استخدام التهديد بشن ضربات وشيكة للضغط على إيران بشأن مجموعة من القضايا، بما في ذلك:

  • البرنامج النووي. ينبغي للإدارة الأمريكية أن تُصرّ على وفاء طهران بالتزاماتها الدولية من خلال التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والسماح لموظفي الوكالة باستئناف أنشطة التفتيش والمراقبة والتحقق الكاملة على الأراضي الإيرانية. إضافةً إلى ذلك، ينبغي لواشنطن أن تُصرّ على أن تُقدّم إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية بيانًا كاملاً بمخزونها المتبقي من المواد النووية وأنشطتها، فضلاً عن تحديد موقع أي حطام من المواقع النووية التي هوجمت في يونيو/حزيران. وبناءً على هذا البيان، يُمكن للولايات المتحدة العمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لترتيب استعادة وتصدير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. كما ينبغي للمسؤولين الأمريكيين التأكيد مجددًا على أن أي محاولة إيرانية لإعادة بناء البرنامج، أو محاولة صنع قنبلة نووية، أو تضليل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ستُبرر شنّ المزيد من الضربات.
  • حقوق الإنسان. حتى لو انتزعت إدارة ترامب تنازلات نووية كبيرة من إيران، فمن المرجح أن تُعتبر المحادثات بين ويتكوف وعراقجي فاشلة إذا لم تحصل الولايات المتحدة على تنازلات بشأن معاملة النظام لشعبه. ففي نهاية المطاف، كان تعهد ترامب بمساعدة المتظاهرين هو ما أشعل فتيل المواجهة الحالية، ومدى وفائه بهذا الوعد هو ما سيميز هذه المرحلة عن كارثة “الخط الأحمر” التي واجهها أوباما. وعلى وجه التحديد، ينبغي للإدارة أن تطالب النظام باتخاذ إجراءات حاسمة لتخفيف الضغط على الشعب الإيراني من خلال: (1) رفع الحصار عن الاتصالات وغيره من الإجراءات التي اتُخذت ضدهم خلال الاحتجاجات الأخيرة، (2) إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، (3) الامتناع بشكل قاطع عن الإعدامات السياسية وسوء المعاملة والاضطهاد.
  • الصواريخ والوكلاء. ينبغي لإدارة ترامب أن تطلب من الشركاء الإقليميين، مثل تركيا والسعودية والإمارات وقطر ومصر، التفاوض مع طهران بشأن حدود متفق عليها فيما يتعلق بتهديدين رئيسيين في الشرق الأوسط: حجم ترسانات الصواريخ ومدى انتشارها وتكوينها، ودعم الجهات الفاعلة غير الحكومية. في الوقت نفسه، ينبغي لواشنطن أن توضح أنها، على الرغم من قلقها إزاء برنامج طهران الصاروخي وسعيها إلى اتخاذ إيران خطوات للحد من هذا التهديد، لن تفرض حلولها على إسرائيل، أي أن إسرائيل ستحتفظ بحرية التصرف حتى لو اختارت الولايات المتحدة عدم شنّ ضربة. إذا كانت إيران ودول إقليمية أخرى ترغب في أن تتراجع إسرائيل عن شنّ الضربات، فعليها أن تعالج مخاوف إسرائيل مباشرةً بدلاً من مطالبة واشنطن بالتدخل. كما ينبغي لإدارة ترامب أن تُذكّر الشركاء الإقليميين بأن عدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل يُضعف قدرتهم على التأثير في تفكير القدس والتوسط في السلام الإقليمي.

ما لا ينبغي لإدارة ترامب فعله في أي محادثات تُعقد هذا الأسبوع أو لاحقًا هو تقديم تخفيف للعقوبات مقابل تنازلات إيرانية على غرار الاتفاق النووي. يجب على الولايات المتحدة أن توضح أن عبء تجنب الصراع يقع على عاتق النظام الإيراني. فبينما يترنح النظام بعد ارتكابه مجازر بحق شعبه، لا يقع على عاتق الولايات المتحدة أي التزام بإنقاذه من خياراته.

شاهد أيضاً

حروب القوى المنهكة في الخليج العربي

بقلم: حميد دباشي- الجزيرة تستعرض أطراف هذا الصراع الثلاثة- الولايات المتحدة وذراعها الاستعمارية إسرائيل من …