الشرق اليوم– في مقال مطول في مجلة “ذا أتلانتيك” يرى الكاتبان الإيراني كريم سجاد بور وجاك غولدستون أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحولت إلى “نظام زومبي” (ميت إكلينيكياً ولكنه يتحرك بالقوة القمعية فقط). ويؤكدان أن إيران، ولأول مرة منذ عام 1979، استوفت خمسة شروط بنيوية يراها غولدستون ضرورية لنجاح أي ثورة وانهيار الأنظمة. تبدأ هذه الشروط بأزمة مالية خانقة، حيث شهدت إيران انهياراً تاريخياً للعملة وتضخماً مفرطاً وصناديق فارغة، تلاها تصدع عميق في بنية النخبة بعد تهميش القيادات التاريخية مثل مير حسين موسوي، ومحمد خاتمي، وغيرهم واستبدال الكفاءات بالمتملقين. ثالثاً، تشكل جبهة معارضة عريضة ضمت تجار البازار والأقليات رداً على احتكار الحرس الثوري للثروة. رابعاً، تبلورت شعارات قومية بديلة تنادي بـ “تحيا إيران” بدلاً من الموت لأمريكا وترفض المغامرات الخارجية ودعم الميليشيات، مما قوض الخطاب الثوري التقليدي لصالح الرغبة في حياة طبيعية. وأخيراً، يواجه النظام عزلة دولية غير مسبوقة عقب تدمير أذرعه الإقليمية في حرب الـ 12 يوماً وتعرض منشآته النووية لضربات أمريكية مدمرة وهي التي كلفت إيران نصف تريليون دولار من الخسائر والعقوبات وغيرها. اجتماع هذا الانهيار الاقتصادي، والانقسام النخبوي، والمعارضة الشعبية، والشعارات القومية، والضغط الدولي، وضع النظام أمام مفترق طرق الانهيار أو التغيير، حيث لم يعد يحميه سوى آلة قمعية قد تتوقف عن العمل في أي لحظة عند شعورها بفقدان جدوى الدفاع عن سلطة تحتضر.
لكن محور الحديث في هذا المقال هو مناقشة ما بعد الهيمنة الإيرانية خصوصاً بعد انتشار خطاب يحذر من الهيمنة الإسرائيلية إذا سقط النظام الإيراني. فالافتراض القائل بأن سقوط النظام الإيراني سيؤدي تلقائياً إلى تعزيز هائل لمكانة إسرائيل مما قد يسمح لها بالهيمنة على الشرق الأوسط هو افتراض شائع في بعض الأوساط المؤيدة والمعارضة لإسرائيل، لكنه يتجاهل القيود العسكرية والديموغرافية لديها، والتشابكات الإقليمية الأوسع في الشرق الأوسط.
صحيح أن إسرائيل تمتلك واحداً من أكثر الجيوش تقدماً وتفوقاً من الناحية التكنولوجية في العالم، مع تفوق نوعي في القوة الجوية بما في ذلك مقاتلات إف-35 الشبحية، وأنظمة الدفاع الصاروخي مثل القبة الحديدية، والقدرات الاستخباراتية. ومع ذلك، تظل القوة البشرية نقطة ضعف جوهرية لأي طموح بالهيمنة الإقليمية على المدى الطويل. وبالأرقام يبلغ عدد الأفراد العسكريين النشطين في إسرائيل حوالي 170,000 جندي، مع ما يقرب من 465,000 جندي احتياط وهي قوة يمكن حشدها بسرعة ولكنها تعتمد بشكل كبير على التجنيد الإجباري والخدمة قصيرة الأجل. في المقابل، يمكن للخصوم الإقليميين المحتملين أو إيران حتى في مرحلة ما بعد النظام الاعتماد على سكانها الأكبر بكثير للتأثير على المنطقة.
الهيمنة على الشرق الأوسط الشاسع الذي يضم دولاً متعددة يسكنها عشرات الملايين تتطلب احتلالاً مستداماً أو سيطرة على أراضٍ تتجاوز بكثير قدرة إسرائيل. وتؤكد السوابق التاريخية هذا الرأي، مثل تجارب إسرائيل في لبنان (1982-2000) والتحديات المستمرة في غزة، والتكاليف الباهظة للعمليات البرية المطولة. باختصار، يتميز الجيش الإسرائيلي في العمليات الدفاعية والدقيقة والسريعة، لكنه ليس مهيأً للغزو الإمبراطوري أو الهيمنة طويلة المدى أو حتى تمويل الميليشيات في منطقة أكبر منه مساحةً وسكاناً بأضعاف مضاعفة.
وفي الحقيقة لن يؤدي انهيار نظام الجمهورية الإسلامية بالضرورة إلى تقسيم أو تفكك إيران، حيث تعتبر إيران مجتمعاً متعدد الأعراق وحافظت على سلامة أراضيها عبر قرون من الحكم المركزي، حتى في فترات الاضطراب. وبحسب المؤرخين يعتبر تماسك إيران الإقليمي وقدرتها على الصمود الوطني ظاهرتين تاريخيتين استثنائيتين، خصوصاً عند مقارنتهما بتجارب إمبراطوريات كبرى كالدولة العثمانية التي انتهت إلى التفكك. فعلى مدى آلاف السنين، ورغم الغزوات الأجنبية المتكررة، والتنوع الإثني، والاضطرابات الداخلية، والخسائر الإقليمية، حافظت إيران على وحدة كيانها السياسي والثقافي.
لكن هناك بعض السيناريوهات تحذر من مخاطر الانفصال في المناطق الطرفية مثل المناطق الكردية أو البلوشية إذا تلاشت السلطة المركزية تماماً في أي حرب أهلية، إلا أن معظم المحللين يؤكدون أن الهوية الوطنية القوية لإيران، وتاريخها المشترك، والخوف من التفتت المتجذر في ذكريات التدخلات الأجنبية تعمل كقوى جذب مركزية قوية وقد استغل النظام نفسه هذا الخوف لفترة طويلة لقمع المعارضة. والأرجح أنه قد تتراوح نتائج ما بعد الانهيار ما بين حكومة يقودها الجيش، أو نظام شمولي يهتم بالمصالح الوطنية، أو حتى زعيم قومي قوي، وصولاً إلى صراعات داخلية فوضوية، لكن التقسيم الفعلي يظل خطراً منخفض الاحتمال وليس نتيجة حتمية نظراً لأن النواة الثقافية واللغوية المتماسكة لإيران تجعلها أكثر صموداً مما يتم تصويره.
في العقود الأربعة الماضية، كان المحرك الأيديولوجي الأساسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط في ظل النظام الإيراني الحالي هو أيديولوجيته التوسعية الثورية وتصدير الثورة الإسلامية الشيعية، ودعم الميليشيات التي تسببت في انهيار 4 دول عربية، مثل حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين والحوثيين في اليمن وعشرات الميليشيات في العراق وسوريا. وكان الهدف المعلن لإيران هو القضاء على إسرائيل، والهدف السري هو الهيمنة على المنطقة ومقدراتها . وغذت هذه العقيدة حروباً بالوكالة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة، مما زعزع استقرار المنطقة إلى ما هو أبعد من التوترات الثنائية بين إيران وجيرانها. كما سعت استراتيجية النظام الإيراني إلى تطويق دول الاعتدال، وتحدي النفوذ الأمريكي والغربي من خلال الحروب غير المباشرة، وتسليح الميليشيات عبر نشر الصواريخ الباليستية الخطيرة، والمسيرات المتقدمة، والتعبئة الأيديولوجية؛ وهي أعمال أدت إلى إطالة أمد الصراعات، واستنزاف الموارد للدول في المنطقة، وتطرف الجهات الفاعلة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وبالمقارنة، صحيح أن إسرائيل اليوم تحت حكومة متطرفة وارتكبت جرائم إبادة مروعة في غزة، لكنها تسعى وفق مزاعمها لتحقيق أمنها من خلال العمليات العسكرية، والمستوطنات في الأراضي الفلسطينية، والموقف الدفاعي الذي يُنتقد غالباً باعتباره توسعياً وتدميرياً في السياق الفلسطيني، إلا أن تحركاتها هي في المقام الأول رد فعل على تهديدات وجودية لها وليست مدفوعة بأيديولوجية ثورية عالمية. ولا تهدف سياسة إسرائيل الخارجية المهووسة بالبقاء والنجاة في محيط ناقم إلى الإطاحة بالحكومات أو تصدير نموذج ثيوقراطي ديني عبر الشرق الأوسط لكنها تركز على البقاء والردع حتى وإن رغبت خلاف ذلك.
في المقابل الالتزام الأيديولوجي للنظام الإيراني بـما يسميه محور المقاومة يجعله أكثر خطورة من حيث النطاق والتوسع، فهو يعمل بنشاط على زعزعة استقرار الدول المعتدلة لتعزيز رؤيته العابرة للحدود، بينما تظل سياسات إسرائيل، مهما كانت خطيرة، محدودة جغرافياً ومرتبطة بالأمن القومي، ويمكن التغلب عليها وتتغير بتغير الحكومات المنتخبة باستمرار، ويمكن مساءلتها داخلياً وبشدة، على سبيل المثال هناك محاكمة جدية لنتنياهو في إسرائيل وقد يدخل السجن على إثرها.
صحيح قد يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى إضعاف خصم رئيسي لإسرائيل ولدول المنطقة، وتقليل تهديدات الميليشيات، وربما فتح الأبواب أمام الدبلوماسية. لكن لن يمنح إسرائيل القدرة على الهيمنة على الشرق الأوسط وهي فكرة تقيدها النقص في القوة البشرية، والواقع اللوجستي، ومخاطر التوسع المفرط، والعمق التاريخي والديني الذي تفتقده تماماً.
وأعتقد أن التهديد الأكبر على المدى الطويل للاستقرار الإقليمي هو التوسع الأيديولوجي الإيراني، الذي أجج الصراعات، وقسم الدول العربية، وشرعن الميليشيات التي ساهمت في زعزعة الشرق الأوسط بأكمله طوال العقود الماضية. وربما إيران ما بعد سقوط النظام لن تكرر أخطاء الماضي، وسوف تركز على المصالح الوطنية والاقتصادية لسنوات طويلة بدلاً من تصدير الثورة، وهو نهج يمكن أن يفيد المنطقة بأكملها أكثر بكثير من أي طريق وهمي نحو الهيمنة الأحادية والتي أثبتت التجارب فشلها. كما أن التلويح بوجود هيمنة بديلة هي قراءة تتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ والواقع في المنطقة.
*نقلا عن العربية
الشرق اليوم اخباري تحليلي
