الحبيب مباركي- العرب
الشرق اليوم– في تطور غير مسبوق، نفّذت إسرائيل عملية عسكرية دقيقة داخل العاصمة القطرية الدوحة، استهدفت قياديين بارزين من حركة حماس من بينهم خليل الحيّة وزاهر جبارين. هذه العملية، التي تجاوزت حدود الاشتباك التقليدي بين إسرائيل وحماس، فتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقات الإقليمية، وحدود التدخل الإسرائيلي، وموقع قطر في خارطة الصراع المتجدّد.
قطر لطالما لعبت دورا محوريا في الوساطة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الغرب، واحتضانها لقيادات من حماس في إطار تفاهمات سياسية. لكن العملية الأخيرة قلبت المعادلة رأسا على عقب: الدولة التي كانت تُصنّف كوسيط أصبحت فجأة ساحة مواجهة، ما يطرح سؤالا جوهريا حول قدرة الدول المستضيفة على حماية من تحتضنهم، وحول مدى استعدادها لتحمّل تبعات هذا الدور.
الرد القطري الرسمي جاء سريعا، إذ أدانت وزارة الخارجية الهجوم واعتبرته “انتهاكا صارخا للسيادة،” مؤكدة أن “قطر لن تتهاون مع هذا السلوك الإسرائيلي المتهور.” لكن هذا التصريح، رغم قوته، لا يُخفي حجم الإحراج الدبلوماسي الذي تواجهه الدوحة، خاصة في ظل صمت بعض الحلفاء الغربيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
ما فعلته إسرائيل في الدوحة ليس مجرد ردع، بل استعراض لقدرتها على الوصول إلى أيّ مكان، وفي أيّ وقت، دون اعتبار للحدود أو السيادة. إنها رسالة مزدوجة.
هذا التحوّل في قواعد الاشتباك يُعيدنا إلى سؤال قديم جديد: هل نحن أمام دولة تبحث عن الأمن، أم أمام قوة إقليمية تسعى لفرض منطقها بالقوة؟ العملية في قطر تُعد امتدادا لسياسة “الضربات الاستباقية” التي تبنّتها إسرائيل منذ سنوات، لكنها هذه المرة تتجاوز الجغرافيا، وتضع المنطقة أمام معادلة جديدة: إما القبول بالهيمنة الإسرائيلية، أو الاستعداد لمواجهة مفتوحة.
بالنسبة إلى حماس، فإن العملية تمثل ضربة معنوية وسياسية. فاستهداف قياداتها خارج غزة يضعها أمام تحديات جديدة تتعلق بإعادة توزيع كوادرها، وتعزيز السرية في تحركاتها، وربما مراجعة علاقاتها مع الدول المستضيفة. كما أن الحدث قد يُضعف من قدرتها على التفاوض، خاصة إذا شعرت أن الحاضنة السياسية لم تعد آمنة، وأن الدول التي كانت توفر لها الغطاء السياسي باتت عرضة للضغط أو الاستهداف.
لكن في المقابل، قد يدفع هذا التصعيد الحركة إلى المزيد من التشدد، وإلى إعادة بناء شبكاتها الأمنية والسياسية بطريقة أكثر تعقيدًا، ما يُنذر بالمزيد من التصعيد في المستقبل.
تجرّؤ إسرائيل على تنفيذ عملية داخل الدوحة يطرح تساؤلات حول مدى اختراقها للأمن القطري، وقدرتها على جمع معلومات استخباراتية دقيقة. هل تم ذلك عبر طائرات مسيّرة؟ أم عبر عملاء على الأرض؟ وهل كانت هناك تسريبات داخلية؟ هذه الأسئلة تبقى معلّقة، لكنها تؤشر إلى هشاشة أمنية محتملة، حتى في أكثر الدول استقرارا. كما أن العملية قد تُحدث ارتدادات داخلية في قطر، منها توتر بين السكان والمقيمين، وإعادة تقييم السياسات الأمنية، وتعزيز الرقابة على الوفود السياسية.
لكن اللافت هنا هو الصمت الأميركي رغم التقارير التي تحدثت عن “تنسيق مسبق” بين واشنطن وتل أبيب. أما الاتحاد الأوروبي، فقد اكتفى بالدعوة إلى “ضبط النفس،” دون إدانة واضحة، بينما أدانت تركيا وإيران العملية بشدة، واعتبرتا أنها “تصعيد خطير.” هذا التباين في المواقف يعكس حجم الانقسام الدولي حول القضية الفلسطينية، ويُظهر أن إسرائيل باتت تتحرك ضمن هامش واسع من الحرية، مدعومًا بتفاهمات غير معلنة مع قوى كبرى.
من غير الواضح ما إذا كانت قطر ستواصل لعب دور الوسيط بين حماس وإسرائيل بعد هذا الحدث. فالمخاطر الأمنية والدبلوماسية باتت أكبر، والضغوط الدولية قد تدفعها إلى إعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه القضية الفلسطينية. ومع ذلك، فإن انسحاب قطر من هذا الدور قد يترك فراغا يصعب ملؤه، خاصة في ظل تعقّد المشهد الإقليمي، وتراجع دور بعض الدول العربية في الملف الفلسطيني.
ما حدث في قطر ليس حادثا عابرا، بل نقطة تحوّل. إنه إعلان عن أن الصراع لم يعد محصورا في غزة أو الضفة، بل بات عابرا للحدود. الدول العربية التي تستضيف فصائل فلسطينية مطالبة اليوم بإعادة تقييم موقفها: هل يمكنها الاستمرار في لعب دور الوسيط وهل لديها القدرة على حماية من تستضيفهم؟ أما إسرائيل، فقد فتحت بابا يصعب إغلاقه: باب العمليات الخارجية التي قد تُشعل فتيل مواجهات إقليمية غير محسوبة.
استهداف قيادات حماس في الدوحة هو أكثر من عملية عسكرية. إنه اختبار للسيادة، وللأعراف وللتحالفات. وإذا لم يكن هناك رد دولي واضح، فإن ما حدث قد يتحوّل إلى سابقة، تُشرعن التدخلات، وتُضعف منطق الدولة، وتُعيد رسم خارطة الشرق الأوسط على إيقاع الطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة. في زمن تُمحى فيه الخطوط الحمراء، يصبح الصمت تواطؤا، والحياد عجز، والمواجهة خيار لا مفر منه.
الشرق اليوم اخباري تحليلي
