الشرق اليوم– أعلنت الحكومة السورية السبت رفضها المشاركة في أيّ مفاوضات جديدة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بما في ذلك اجتماعات باريس، على خلفية مؤتمر موسع عقدته الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق البلاد وضم ممثلين بارزين عن الدروز والعلويين، واعتبرته دمشق “ضربة” لجهود التفاوض الجارية.
ويأتي الموقف الحكومي المتشدد تجاه اللقاءات الجانبية التي تتعارض مع مسار التقارب بين دمشق والأكراد كرسالة واضحة إلى رفض مسارات حوار لا تصب في صالح دمج الأكراد في المؤسسات الحكومية والسيادية ضمن الاتفاق الذي تم برعاية المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك.
ويشير مراقبون للشأن السوري إلى وجود تحركات مدعومة فرنسيا للالتفاف على الاتفاق الأميركي – السوري، وتهدف إلى تكوين جبهة من الأقليات للضغط على نظام الرئيس أحمد الشرع ودفعه إلى تقديم تنازلات في الاتجاهات المختلفة، أي لصالح الأكراد والدروز والعلويين، في خطوة تضعف مساعي بناء شراكة وطنية واسعة بين النظام الجديد والمكونات العرقية والدينية في البلاد.
ويضيف المراقبون أن استضافة مؤتمر أو لقاء بين الأقليات ومدعوم من جهات خارجية قد يثير غضب الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية التي يبدو أنها تسعى إلى التراجع عن الاتفاق مع دمشق، وتخطط للاحتفاظ بقوتها وكيانها السياسي منفصلين عن دمشق.
وعقدت الإدارة الذاتية الكردية اجتماعات موسعا في مدينة الحسكة الجمعة، تخللته كلمات عبر الشاشة للشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز الزعامات الروحية الدرزية في مدينة السويداء، والمعروف بمواقفه المنتقدة للسلطات السوريّة الجديدة، والشيخ غزال الغزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي في سوريا.
ودعا الاجتماع في بيانه الختامي إلى عقد “مؤتمر وطني سوري جامع وشامل، تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديمقراطية”.
وقالت الحكومة في بيان نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إن المؤتمر الذي شاركت فيه شخصيات كردية إلى جانب ممثلين عن الأقليتين العلوية والدرزية، “يشكل تقويضاً لمسار الحوار،” مؤكدة أنها “لن تشارك في أيّ اجتماعات مقررة في باريس، ولن تجلس إلى طاولة التفاوض مع أيّ طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد تحت أيّ مسمى أو غطاء”.
وأدانت دمشق “بشدة استضافة شخصيات انفصالية ومتورطة في أعمال عدائية،” معتبرة أن ذلك يمثل “خرقاً واضحاً لاتفاق العاشر من آذار”، وحمّلت قسد وقيادتها “المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا المسار”.
وفي أواخر الشهر الماضي، أعلنت سوريا وفرنسا والولايات المتحدة موافقتها على عقد محادثات في باريس “بأسرع وقت ممكن” بشأن تنفيذ بنود اتفاق ثنائي.
ويعد المؤتمر الذي عُقد في مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، الأول من نوعه الذي تشارك فيه مكونات كردية إلى جانب ممثلين عن الأقليتين العلوية والدرزية اللتين تعرضتا لأعمال عنف على خلفية طائفية بعد وصول الشرع إلى السلطة.
واتفق المشاركون في المؤتمر على جملة من المبادئ والأهداف تم تضمينها في البيان الختامي، ومن بينها أن “الحل المستدام في سوريا يمر عبر دستور ديمقراطي يكرس ويعزز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لامركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكافة المكونات في العملية السياسية والإدارية، بما ينسجم مع حرية المعتقد، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة الرشيدة”.
واعتبر “المشاركون أن الإعلان الدستوري الراهن لا يلبي تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة الإنسانية، ما يستدعي إعادة النظر فيه بما يضمن تشاركية أوسع وتمثيلا عادلا في المرحلة الانتقالية”.
وأكدوا أن “التعدد القومي والديني والثقافي في شمال شرقي سوريا هو مصدر غنى وقوة،” وشددوا على ضرورة ترسيخ هذا التعدد في البنى السياسية والإدارية، وعلى ضمان تمثيل كافة المكونات بما يعزز من وحدة المجتمع، وأن نموذج الإدارة الذاتية هو تجربة تشاركية قابلة للتطوير والارتقاء، ومثال حي على الحوكمة المجتمعية الديمقراطية.
ويأتي المؤتمر استكمالا لمؤتمر سابق عقده الأكراد في سوريا وأثار لغطا واسعا، ومعارضة من السلطة الانتقالية لما تضمنه من تأكيدات على وجوب إنشاء نظام لامركزي في سوريا.
واتهمت الحكومة المؤتمر بمحاولة “تدويل الشأن السوري، واستجلاب التدخلات الأجنبية، وإعادة فرض العقوبات،” داعية قسد إلى “الانخراط الجاد” في تنفيذ اتفاق 10 مارس، وحصر الحوار بين السوريين في العاصمة دمشق باعتبارها “العنوان الشرعي والوطني” للتفاوض.
وزادت مخاوف الأكراد بعد أعمال العنف والاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية الشهر الماضي، وقبلها أعمال العنف الطائفية في منطقة الساحل ذات الغالبية العلوية، اتهمت السلطات مسلحين موالين للرئيس المخلوع بشار الأسد بإشعالها عبر شنّ هجمات دامية أودت بالعشرات من عناصرها.
وطرحت أعمال العنف التي طالت الأقلية العلوية حينها ثم الدرزية الشهر الماضي تساؤلات إزاء قدرة السلطة الانتقالية على بسط سلطتها على كامل التراب السوري والتعامل مع الأقليات.
المصدر: صحيفة العرب
الشرق اليوم اخباري تحليلي
