الرئيسية / دراسات وتقارير / السر وراء اعتماد بوتين سياسة التقارب مع “طالبان”

السر وراء اعتماد بوتين سياسة التقارب مع “طالبان”

بقلم: واجد روحاني- اندبندنت
الشرق اليوم– طالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإقامة علاقات مع نظام “طالبان”، ويعتبر طلبه خطوة نحو الأمام في طريق الاعتراف بحركة “طالبان” المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وحقوق المرأة، إذ أصبحت أفغانستان التي تسيطر عليها “طالبان” ملاذاً لأكثر من 20 جماعة إرهابية تهدد أمن المنطقة والعالم برمته.

وشدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء الماضي على ضرورة إقامة علاقات مع حركة “طالبان”، وذلك في برنامج تلفزيوني على هامش الاجتماع الاقتصادي الدولي الذي عقد في مدينة سان بطرسبورغ شمال غربي البلاد، إذ قال بوتين “إننا نعتقد أنه يجب أن نتعامل مع الواقع، فـ “طالبان” تسيطر على الحكم في أفغانستان، وعلينا أن نقيم علاقات مع معها”.

وقبل أسبوعين، وخلال زيارته لأوزبكستان، قال بوتين إنه يتعين على موسكو التنسيق مع دول آسيا الوسطى بطريقة ما للتواصل مع “طالبان”، وقد رحبت الحركة بموقف بوتين الأخير، إذ قالت وزارة خارجيتها في بيان إنها عازمة على تحسين وتطوير وتعزيز العلاقات السياسية الإيجابية مع روسيا، كما أكدت في بيانها أن نظامها “المبني على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لديه إرادة ورغبة سياسية قوية لتوفير مصالح الشعبين وتوسيع وتعزيز العلاقات الإيجابية مع روسيا”.

وفي السياق نفسه قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في وقت سابق، إن موسكو تخطط لرفع إسم “طالبان” من قائمة المنظمات الإرهابية، ووصف الحركة بالقوة السياسية الرئيسة في أفغانستان، مضيفاً أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم يعلن “طالبان” جماعة إرهابية، وأدرج 12 إلى 15 عضواً منها على قائمة الإرهاب فقط.

وبعد تصريحات سيرغي لافروف قال مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى أفغانستان ضمير كابولوف، إن اقتراح رفع اسم “طالبان” من قائمة المنظمات الإرهابية قُدم إلى بوتين، لكنه أكد أنه لا يزال من السابق لأوانه الاعتراف بنظام “طالبان” في أفغانستان، ويذكر أنه في عام 2003 أدرجت موسكو حركة “طالبان” في قائمة المنظمات الإرهابية واعتبرتها محظورة في البلاد.

وروسيا التي تريد اليوم أن تلعب دوراً أكبر في أفغانستان الواقعة تحت سيطرة حركة “طالبان”، كان الجيش الأحمر التابع للاتحاد السوفياتي قد غزاها واحتلها عام 1979 دعماً للحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، وخلال عقد من وجوده في أفغانستان واجه الاتحاد السوفياتي مقاومة ما قبل قوات كانت مدعومة من الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وتسببت هذه المواجهة في خسائر فادحة للاتحاد السوفياتي وأدت في النهاية إلى انسحاب الجيش الأحمر من الأراضي الأفغانية.

علاقات مع كابول

ومع انتصار تلك القوات المدعومة من الغرب في أفغانستان خلال تسعينيات القرن الماضي، لم يكن لروسيا دور فعال في أفغانستان حتى استولت جماعة “طالبان” على كابول عام 1996، مما دفع بموسكو نحو دعم “جبهة المقاومة” (تحالف الشمال) برئاسة برهان الدين رباني ضد “طالبان”.

إن عداء روسيا لنظام “طالبان” في تسعينيات القرن الماضي جعل من موسكو داعماً لهجوم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية على أفغانستان، إلا أنه مع توسع رقعة الحرب وتمرد حركة “طالبان” وانضمام المقاتلين الأجانب، ومنهم مقاتلو آسيا الوسطى، إلى “طالبان”، وزيادة تهريب المخدرات من أفغانستان، فقد أقامت روسيا علاقات سياسية مع “طالبان”، كما أن تزايد المنافسة بين روسيا من جهة وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى جعل روسيا تعتبر الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان بمثابة تهديد خطر لمصالحها القومية، ولم يكن لدى النظام الجمهوري في أفغانستان الذي كان يحظى بدعم سياسي ومالي وعسكري من الغرب، رغبة في توسيع العلاقات مع روسيا، مما جعل موسكو تميل أكثر إلى “طالبان”.

وخلال الأعوام الأخيرة من عمر النظام الجمهوري في أفغانستان أدى القلق الشديد لروسيا ودول آسيا الوسطى من توسع أنشطة فرع ” تنظيم داعش – خراسان” في الحدود الشمالية لأفغانستان إلى تعزيز العلاقات بين “طالبان” وروسيا، إذ استضافت موسكو اجتماعات عدة حول الوضع في أفغانستان بحضور ممثلين عن حركة “طالبان”، كما استفادت الحركة من العلاقة مع موسكو.

وأدى انهيار النظام الجمهوري في أفغانستان وانتهاء المهمة العسكرية الأميركية إلى قيام نظام “طالبان” بعد عقدين من الحرب والفوضى، وبدأت روسيا توسيع علاقاتها مع كابول منذ اليوم الأول لحكم “طالبان”.

وفي عهد النظام الجمهوري في أفغانستان اتُهمت روسيا بتقديم الدعم المالي والسلاح لحركة “طالبان”، وفي عام 2014، وبعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى أراضيها، قوبل هذا الإجراء برد فعل قوي من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وهذا التوتر دفع موسكو لأن تزيد من دعمها لـ”طالبان”، وقال القائد العام لقوات حلف الأطلسي في أفغانستان الجنرال جون نيكلسون عام 2017، إن لديه تقارير موثوقة حول العلاقة بين روسيا و”طالبان”.

وتشترك أفغانستان في الحدود مع طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، في الوقت نفسه تعتبر روسيا أن الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى بمثابة الحديقة الخلفية لها، كما أن لروسيا قواعد عسكرية في طاجيكستان وقرغيزستان.

ومنذ وصول “طالبان” إلى سدة الحكم في أفغانستان اتخذت روسيا إجراءات لزيادة التحصينات الحدودية مع طاجيكستان، وأجرت عدداً من المناورات العسكرية المشتركة للتعامل مع التهديدات المحتملة من أفغانستان، وعلى عكس دول آسيا الوسطى الأخرى فإن طاجيكستان تتمتع بعلاقات متوترة مع حركة “طالبان”، إذ انتقدت الحكومة الطاجيكية مراراً وجود الجماعة الإرهابية والفشل في تشكيل حكومة شاملة تضم جميع المجموعات العرقية، ولا سيما استبعاد النساء والفتيات من التعليم والعمل، كما أثيرت مخاوف في شأن وجود الجماعات الإرهابية في أفغانستان تحت حكم حركة “طالبان”، وذلك خلال عدد من اجتماعات كبار المسؤولين من دول آسيا الوسطى مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

واشنطن لا تزال أكبر المانحين لأفغانستان

الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا أثر في علاقات موسكو مع دول آسيا الوسطى، وحتى الآن لم تدعم أي من هذه الدول الهجوم الروسي لتفادي أي اضطراب في العلاقة مع الغرب، ويبدو أن فلاديمير بوتين ومن خلال تأكيد العلاقة مع “طالبان” يحاول رسم سياسة لهذه الدول حتى لا توسع علاقاتها مع الغرب، في وقت تؤكد التقارير الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن فرع ” تنظيم داعش – خراسان ” وتنظيم “القاعدة” وجماعة “أنصار الله” و”الحركة الإسلامية” في تركستان الشرقية مع عدد من الجماعات الإرهابية الأخرى، تنشط في أفغانستان، وأن وجود هذه المجموعات يشكل خطراً بالنسبة إلى جيران أفغانستان ومنها دول آسيا الوسطى.

صحيح أن فلاديمير بوتين والمؤسسة الدبلوماسية الروسية متفائلان في شأن حكم “طالبان” ونهاية الوجود العسكري الأميركي وقوات حلف الأطلسي في أفغانستان، إلا أن واشنطن لا تزال أكبر المانحين لأفغانستان، وعلى رغم أن هذه المساعدات تنقل على أساس أنها مساعدات إنسانية وتحت إشراف الأمم المتحدة، إلا أن المبعوث الأميركي الخاص لشؤون أفغانستان يشير إلى أن “طالبان” لديها إمكان الوصول إلى هذه الأموال والمساعدات، ويقال أيضاً إن بعض مسؤولي “طالبان” على اتصال مع مسؤولين أميركيين ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وعليه فإن مرور الوقت كفيل بالإجابة عن سؤال متى سينتهي شهر العسل بين “طالبان” وفلاديمير بوتين، وما إذا كانت “طالبان” تفضل روسيا على الغرب؟

شاهد أيضاً

دوافع القيود الجديدة على طالبي اللجوء لأمريكا..

الشرق اليوم- دافع وزير الأمن الداخلي الأميركي، أليخاندرو مايوركس، أمس الأحد، عن  القيود الجديدة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *