الرئيسية / مقالات رأي / انتهى الصّراع بين المسيحيّين فهل ينتهي الصّراع الدّيني كله؟

انتهى الصّراع بين المسيحيّين فهل ينتهي الصّراع الدّيني كله؟

بقلم: حسن إسميك- النهار العربي
الشرق اليوم– “الحرب أمرٌ لا تخلو منه أمةٌ ولا جيل” وقد تقوم “نصرة لله ودينه” كما يشير ابن خلدون في مقدمته، وكان هذا السبب شائعاً لشن الحرب خلال الفترة التي عاش فيها وقبلها أيضاً، ورغم ذلك فإنه يقرّ بأسباب أخرى كثيرة للصراع والحرب يلعب فيها العامل الديني دوراً مهماً، إذ يعزز الشعور بالتماسك بين المقاتلين، ويجعلهم أكثر قدرة على القتال والتضحية، وبهذا يتحول الدين من “مبرر لقيام الحرب” إلى قوة اجتماعية تدعم العصبية التي تشكل محور التاريخ وأساس المجتمع لدى صاحب المقدمة الشهيرة.

خلال الحربين العالميتين كان الجنود الألمان يرتدون أحزمة عليها نقش “الله معنا”، لم تكن تلك الحروب دينية طبعاً، لكنّ الاعتقاد بأن الله يأخذ جانب طرف ما في الحروب وينتصر له، فكرة لا يبطل تأثيرها، فالنفس الإنسانية تحتاج خلال الأوقات العصيبة، وأشدها الحروب، مَعيناً روحياً يجعل القدرة على قتل الآخرين، أو الشجاعة إلى حدّ الإقبال على الموت في سبيل قضية ما، شيئاً ذا معنى. فأن يكون “الله معنا” يعني أننا على حق في ما نقدم عليه، وسنحظى ببركته ومكافأته على الأرض أو في الآخرة.. هذا المبدأ نفسه هو ما يحاول السياسيون اليوم، كما في السابق، بعثه في النفوس خلال الحديث عن “الحرب المقدسة”.

“هل يعني استمرار استخدام مصطلح “الحرب المقدسة” في القرن الحادي والعشرين، ووجود من يستطيع استخدام الدين لأهداف سياسية حتى اللحظة الراهنة، أن الحروب الدينية بين المسيحيين لا تزال ممكنة ويمكن أن تشتعل وتتجدد في أي لحظة؟”.

اختتمت بهذا السؤال المقالة السابقة، وإذا كنت شخصياً أجد أن الإجابة الأقرب للدقة على عودة الحروب الدينية المسيحية تحديداً هي أنها أمر مستبعد، فسأحاول في ختام هذه السلسلة التي تحدثت فيها عن تاريخ المسيحية منذ نشأتها الأولى، أن أسوق مبررات وجهة نظري تلك، وأترك للقارئ في الوقت نفسه هامشاً للتفكير قد يقوده إلى إجابة مختلفة نظراً إلى تداخل العوامل والظروف وتعقيدات الأوضاع البشرية المتزايدة في عصرنا هذا بقيمه ومعتقداته المستحدثة، والتي كان لا بد من أن تترك أثرها على المعتقدات التقليدية، ومن بينها الدينية (كل الأديان)، وعلى طرق استخدامها وتوظيفها في الحروب خاصة.

فوظيفة الدين في الحرب لم تتغير لكنها اتخذت شكلاً آخر مختلفاً عمّا كان سابقاً، بخاصة إذا أخذنا بالحسبان أن الدين نفسه ليس كُلاً واحداً ثابتاً في كل زمان ومكان، وكثيراً ما يتداخل مع ثقافة المجتمعات وعاداتها فيصير جزءاً منها يتمايز بتمايزها، ولو شكلياً على الأقل، فإذا اتفقنا على أن تطبيق الدين اليوم ليس هو نفسه كما كان قبل مئات السنوات، وأنه خضع للتطور شأنه شأن أي نشاط إنساني آخر، فمن الطبيعي أن تتطور غايات توظيفه ووسائلها، ومنها استخدامه أثناء الحروب والصراعات من السياسيين ومن يواليهم من رجال الدين.

الدين.. السياسة.. الحرب
إذاً، لم تأخذ العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة شكلاً واحداً موحداً في كل المراحل الزمنية، ولا لدى كل المجتمعات، لكنّ السياسة غالباً ما وجدت في الدين، نظراً إلى دوره المؤثر في تكوين الرأي العام وتوجيهه، أداةً فعالة تستطيع من خلالها تسهيل الوصول إلى أهدافها، سواء في فترات الحرب أم في السلم.

ويمكن القول إنّ العصر الحالي يشهد تفاوتاً في مدى تأثير الدين ودوره بين المجتمعات المختلفة، ففي الوقت الذي تتعقد فيه الصورة وتتداخل الوظيفة الروحية للدين الإسلامي مع وظيفته السياسية في معظم الدول الإسلامية، نرى أن معظم الدول المسيحية قد قطعت أشواطاً في طريق فصل الدين عن السياسة أو الحدّ من تأثير كل منهما في الآخر بصورة عامة، وهذا بالذات ما يضعف احتمالية نشوب صراع مسيحي – مسيحي نتيجة خلاف عقائدي كالذي شهدته أوروبا خلال حروبها الدينية، فيما لا تزال احتمالات نشوب مثل هذا الخلاف وتحوله إلى صراع عنيف في بعض الدول الإسلامية قائمة نتيجة عوامل كثيرة لسنا بصدد مناقشتها هنا.

عموماً يمكن القول إن هناك ثلاثة أشكال واضحة تميز العلاقة بين الدين والسياسة هي: طغيان الدين على السياسة، وهو ما كان شائعاً في العصور القديمة، أو طغيان السياسة على الدين بمعنى إخضاع الدين للسياسة وتحويله بصورة كاملة إلى وسيلة بيد الحكّام لتحقيق غاياتهم، وهذا الشكل سعى إليه فلاسفة كثر رأوا أن الدين الذي قد يكون مصدراً للنزاع، وبالتالي يضعف الدولة، فمن الأفضل أن يبقى تحت سيطرة السلطة السياسية. أما الشكل الثالث فهو الذي تنفصل فيه السياسة عن الدين، وهذا ما سعت معاهدة وستڤاليا لإقامته وتكريسه ولو بصورة غير مباشرة، وربما يكون من الأصح القول إنّ حركة التنوير استفادت من نصوص المعاهدة للدفع باتجاه إقامة أنظمة سياسية مستقلة عن المعتقد الديني لأفراد الدولة/ المواطنين.

تركت معاهدة وستڤاليا تأثيراً هائلاً على أوروبا، وكرّست مبدأ سيادة الدول وأعادت الاستقرار للقارة، ممهدة لظهور نظام عالمي جديد أساسه مبادئ المساواة والسيادة الوطنية، وكيف كان لحرية الدين والمعتقد، الذي كفلته تلك المعاهدة – بطريقتها الخاصة المناسبة لذلك الزمان – دور رئيس في تعزيز التسامح والتنوع الفكري وثقافة الحوار وإحلالها بديلاً من الصراع والعنف، بالتزامن مع حركة التنوير التي أحدثت انقلاباً في العقل الأوروبي وأساليب تفكيره، بخاصة بعدما جرّبت القارة الحرب الدموية سنوات طويلة من دون أن يستطيع طرف إعلان انتصاره في نهايتها، فلم يعد الدين دافعاً مقبولاً للحرب.

بناءً على هذه الفكرة الأخيرة، يمكن تعميم القول إن الحروب الواسعة النطاق ذات الدوافع أو الأهداف الدينية البحتة قد انقرضت في السياق المسيحي من دون رجعة، فلم يعد الاستحواذ على السلطة هدف الكنيسة، ووجد القائمون عليها أنه قد آن أوان تغيير الخطاب بصورة كاملة نحو التركيز على قيم الدين الداعية إلى المحبة والسلام.

إصلاحات الكنيسة خلال القرن العشرين والمجمع الفاتيكاني الثاني
كان انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965 والذي يعرف بالمجلس المسكوني الحادي والعشرين للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، الحدث المسيحي الكاثوليكي الأبرز الذي يمكن إدراجه في نطاق الإصلاح الكَنسي المعاصر.

اجتمع المجلس في كاتدرائية القديس بطرس في روما في أربع جلسات، استمرت كل منها ما بين 8 و12 أسبوعاً، في خريف كل من السنوات الأربع 1962 إلى 1965، استغرق التحضير للمجلس ثلاث سنوات وافتتحه البابا يوحنا الثالث والعشرون، وأغلقه في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1965 البابا بولس السادس بعد وفاة يوحنا الثالث والعشرين عام 1963. دعا البابا يوحنا المجلس لأنه شعر أن الكنيسة بحاجة إلى “تحديث” aggiornamento في عالم تتزايد فيه العلمانية، وقد واجه المجلس معارضة لهذا التحديث.

لكن في المحصلة كان الفوز لمصلحة تيار التغيير، وتم إقرار الوثائق القضائية الست عشرة التي أصدرها المجمع والتي حملت تطورات مهمة في العقيدة والممارسة أبرزها: التجديد الليتورجي؛ والذي شمل ترجمة القدّاس إلى اللغات العامية حتى يتمكن الجميع من فهمه بصورة أفضل، إلى جانب إشراك العلمانيين في القداس والسماح بتغيير شكل الكنائس، بالإضافة إلى تأكيد احترام الأديان الأخرى وحرية التعبير والديموقراطية، والحث على التبشير وإصلاح التعليم الكاثوليكي وحياة الرهبنة.

كان للمجمع تأثير كبير في حياة الكنيسة الكاثوليكية في أنحاء العالم، وأثارت قرارته جدلاً كبيراً داخل الكنيسة، رغم ذلك فقد كانت لقراراته آثار إيجابية كبيرة، إذ أظهرت الكنيسة الكاثوليكية بصورة أكثر مرونة وانفتاحاً على العالم الحديث، وأكثر تسامحاً تجاه العلمانيين من أتباعها وتجاه الأديان الأخرى.

عالم ما بعد المسيحية!
في كتابها “نهاية العالم المسيحي” تجادل الفيلسوفة الفرنسية شانتال ديلسول بأن الحضارة المسيحية التي سيطرت على أوروبا لأكثر من 1500 عام آخذة في الانهيار. يعزى هذا الانهيار بحسب الكاتبة إلى مجموعة عوامل، منها إصلاحات المجمع الفاتيكاني الثاني 1965، والتي ترى أنها أدت إلى فقدان الإيمان المسيحي وضياع الهوية المرتبطة به، إلى جانب صعود الفردية والعلمانية المتزامن مع فشل الكنيسة الكاثوليكية في التكيف مع العالم الحديث، واصفة المستقبل البشري بـ”عالم ما بعد المسيحية والذي ينتمي إلى الأديان الأخرى وبخاصة الإسلام”.

يرى البعض أن الكتاب يقدم نظرة قاتمة لمستقبل المسيحية، رغم ذلك فقد أثار الكتاب تساؤلاً حول تراجع الدين المسيحي في العالم، وقد أظهرت بعض الإحصائيات حصول ذلك التراجع فعلاً، لا سيما في أوروبا وأميركا الشمالية التي من المتوقع أن تصل نسبة المسيحيين فيها إلى 40 في المئة بحلول عام 2050، أمام ازدياد أعداد اللادينيين والملحدين وانخفاض عدد الممارسين للشعائر الدينية المسيحية، وحلول مجموعة من القيم والمعتقدات المستحدثة التي تتعارض في قسم كبير منها مع المعتقدات المسيحية وغزوها عقول الأجيال الصاعدة، ما أوحى بتشكل ملامح “دين جديد” أساسه الفردية وتركيز الناس على أنفسهم وأهدافهم الشخصية وحرياتهم الخاصة بالدرجة الأولى.

كذلك فإن الانفتاح العالمي الحالي وتطور التكنولوجيا وازدياد الحرية التي سادت وسائل الإعلام، أدى كله إلى تسليط الضوء على تجاوزات شاركت فيها مؤسسات دينية في أماكن مختلفة من العالم، ساهمت بفقدان الثقة بها، وبالتالي التشكيك في الدين نفسه.

ورغم أن بعض الحروب المعاصرة تبدو كأنها ذات صبغة دينية، والأدق القول إن البعض يحاول إظهارها بهذه الحلّة، مثل حرب الثلاثين عاماً الجديدة والحرب الروسية الأوكرانية، وقد عرّجنا بشيء من التفصيل على كل منهما في المقالة السابقة، يبقى الجانب السياسي هو الطاغي والحاسم في نشوب تلك الحروب ومآلها في آن واحد، وشاء البعض أم أبى فإن تأثير الدين يبقى محدوداً وغير وازن في طبيعتها وفي سيرورتها، وخلاصة القول إن الدين، كأداة أو سلاح فعال في الحروب بين الدول عموماً قد تراجع، وبين الدول المسيحية قد سقط، مع بقائه فعالاً في الحروب التي تكون أطرافها جماعات مسلحة متطرفة، والتي تحولت بذاتها إلى أداة تستخدمها الدول في حروبها ضد بعضها بعضاً.

آراء مغايرة
رغم ما تقدم، يرى البعض أن نموذج الدولة القومية لم ينجح في عزل الدين عن النشاط السياسي أو إلغاء دوره في تشكيل السلوك السياسي للجماعات والأفراد، ولا تزال العلاقة بينهما متداخلة في مواضع كثيرة، وستظلّ كذلك ما دامت البشرية تؤمن وتدين بمعتقد ما وتعيش في مجتمعات سياسية منظمة، وقد يبدو هذا التأثير أشدّ وضوحاً في الإسلام من المسيحية نظراً إلى أن البعض يعتقد أن الدين الإسلامي يقدم نظاماً كاملاً قادراً على تأسيس الدولة وإدارتها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وقد أشرت إلى هذه الفكرة في مقالة سابقة تتعلق بنظام البنوك الإسلامية.

ما يهمنا هنا هو قدرة السياسة على استخدام الدين في الحرب، فإذا كنا متفقين على تراجع تلك القدرة فهل يمكن القول بانتفائها تماماً؟ هذا من جانب. أما من جانب آخر، فما هي العوامل الذاتية التي تجعل الدين فعّالاً في الصراع؟

تشير بعض الآراء إلى أن ما شهده القرن العشرون من حملات استعمارية أوروبية ومن ثم إحياء العداء بين المسيحية والإسلام والذي ازداد حدة مع ظهور المنظمات الإرهابية وربطها بالإسلام، كل ذلك حصل بدافع إبعاد شبح الحروب الأوروبية البينية ومنها الدينية وتوحيد المشاعر الدينية المسيحية تجاه عدو آخر هو ذلك الدين القادم من الشرق، والذي سبق أن “كانت لنا معارك دينية معه”، كل ذلك يدخل بدوره في إطار توظيف الدين في خدمة أهداف السياسة أولاً وأخيراً، واستخدام العامل الديني في منح بعد جديد لرواسب أكثر قدماً، وقد يكون الصراع الفلسطيني الإسرائيلي جزءاً من هذا المخطط في هذا الجانب، إذ كثيراً ما يجري تصوير الحرب الدائرة في فلسطين على أنها حرب دينية بين اليهود والمسلمين، وذلك من الطرفين معاً.

أمام كل ذلك، ومع تزايد الإسلاموفوبيا وانتشارها في الغرب، شهدت العقود الأخيرة ظهور حركات إحياء ديني مسيحية تعمل على جذب أتباع جدد، ونشطت البعثات التبشيرية في بعض البلدان، كما تشير بعض التقارير إلى انتشار الدعوات الصريحة إلى العودة إلى التعاليم الكاثوليكية في المجتمع الفرنسي الذي كان يوصف بأنه مجتمع علماني، كما عادت اللهجة الدينية لتظهر بوضوح في برامج أحزاب اليمين والوسط والجمهوريين، وعلت الأصوات الداعية إلى ترميم الكنائس المهملة وإحياء الروح المسيحية في المدارس والمجتمع.

ورغم الخوف العالمي والعابر للأديان من إحجام الناس عن الدين أمام غزو التكنولوجيا وسقوط بعض السرديات الدينية وانتشار الشك، لا يزال بعض المحللين يصف القرن الحادي والعشرين بأنه “قرن ديني بامتياز”، ولا أعرف على وجه التحديد مدى انطباق تلك الرؤية على الدين المسيحي الذي يعاني تراجعاً كما ذكرنا. على أي حال.. فإن بقاء الدين واستمراره يعنيان استمرار توظيفه سياسياً بطريقة أو بأخرى، لكنّ ماذا لو وظفنا الدين في صنع السلام بدل إذكاء الحرب والنزاع؟

أديان من أجل السلام..
من الصعب التنبؤ بدور الأديان في حروب المستقبل قطعاً، اذ تتفاعل العديد من العوامل الديناميكية لتشكيل هذه الصراعات كما رأينا، لكن بإمكان الإرادة البشرية والسياسية تحويل ذلك الدور من جانبه الهدّام نحو البنّاء. وحيث إنه لا سبيل للحياة من دون إيمان ومعتقد، وإذا كان من مصلحة السياسة أن يلعب الدين الدور الذي تختاره له، فستقع إذاً على عاتقنا، أفراداً وجماعات، مهمة أن نرتقي بالوعي الديني حتى يصير متناسباً مع الرسالة الروحانية التي تدعم حياة الإنسان والعدل والمحبة، وتتماشى مع جوهر الرسالات السماوية الواحد.

حدث التغيير في المسيحية حين قرر القائمون عليها أن يكفوا عن التدمير ويشرعوا ببناء بلدانهم، فتم تجريد الدين من السلاح الذي أشهره، وتبدلت صيغة الخطاب الديني ولهجته من توظيف النص الديني لتبرير العنف وقتل الآخر وإقصائه خدمة لأهداف السياسة في معظم الأحيان، لتركز على إحياء قيم المحبة والتسامح والعيش المشترك الذي هو غاية الدين ومقصده الأساس، من هنا بدأت عملية التحول العميق في الوعي، ورغم كل محاولات تظهير الحروب الحالية بمظهر ديني، صارت الشعوب أكثر قدرة على كبح جماح غضبها ذي المنشأ الديني وقطع الطريق على محاولات الفتنة التي يلمح إليها بعض السياسيين هنا وهناك، لدرجة لم تعد ترى أي خطاب سياسي مسيحي يحمل تحريضاً ضد جماعة مسيحية أخرى، فمن يسلك هذا السلوك يعرف سلفاً أن دعوته مرفوضة، ويمكن القول إن الشعوب استطاعت بناء قواسم حياة مشتركة أخرى تحرص على استمرارها وتدافع عنها حين يقتضي الأمر، فيما تركت الدين ليصير علاقة بين الفرد وخالقه كما يجب أن يكون. مرة أخرى يمكن القول: إن هذا الأمر جعل من إمكانية قيام صراع على أساس ديني مسيحي مسألة مستبعدة جداً إن لم تكن معدومة.

يثبت هذا الواقع أننا لسنا قادرين على تحييد الدين كدافع للصراعات البشرية فحسب، بل يمكننا استخدامه أداةً لإنهائها، وهذا هو معنى أن قوة الدين الحقيقية تكمن في قدرته على أن يكون وسيط سلام في أي صراع من أي نوع، وأن القادة الدينيين يستطيعون، بما يملكونه من تأثير على الجماعات، أن يقوموا بدور الوسيط بين الأطراف المتحاربة، وهو ما حصل في أحيان كثيرة.

كذلك فإن النصوص الدينية نفسها، والتي تُستخدم لتبرير العنف، تستطيع أن تلعب دوراً معاكساً حين توضع في سياقها الصحيح الذي أنزلت من أجله، بعيداً عن الاجتزاء والتسييس والتوظيف خدمة لمصالح محددة، كما أن المؤسسات الدينية أثبتت أنها الأكثر إسهاماً في تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحروب، وأنها استطاعت أن تكون ملاذاً آمناً للهاربين من رحى عنف الحرب في أحيان كثيرة.

وحتى حين نتحدث عن الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني، فذلك لا يعني بأي حال التقليل من شأن الدين أو الشعور بالانتماء الديني، لكن ما نطمح إليه حقاً ربما كشعوب قاست كثيراً بسبب الحروب الدينية ولا تزال تعيش الخوف من اندلاعها هنا أو هناك، هو أن يمتلك الجميع الوعي الكافي لتجاوز سوء استغلال مثل هذا الخلاف العقائدي وعدم السماح لأيّ كان باستخدام مشاعرنا الدينية لمصلحته، ومرة أخرى فإن هذا الوعي متعلق ببناء إنسان سويّ متعلم يمتلك القدرة على الموازنة بين أمور الدين والدنيا ويربح من كليهما معاً دون أن ينظر للآخر على أنه عدو لمجرد اختلافه عنه بطريقة عبادته لربه.

الاختلاف والتنوع البشري سيفضيان دائماً إلى خلافات في كلّ عصر وكل مكان، هذا أمر محتوم، أما أن يتحول هذا الاختلاف إلى مبرر للصراع والعنف فهو الأمر الذي يمكننا أن نعمل على الحدّ منه. ولا شك في أن تحويل الاختلاف إلى عامل نمو وتطوير أمرٌ أثبتت إمكانَ حصوله تجاربُ شعوب كثيرة على امتداد التاريخ.

في الحقيقة لم تقم أي حضارة منذ بدء التاريخ على دين أو عرق أو جنس أو جنسية واحدة، أمامنا اليوم كبشر تحديات حضارية مستقبلية كبرى أقلها التغير المناخي والديموغرافي، والعولمة، وتفاوت الثروات، والطفرات التكنولوجية.. وستنشأ عنها صراعات بالتأكيد! أفليس حرياً بنا، كجنس عاقل قبل أن يكون متديناً، أن نجعل من الأديان، كلّ الأديان، عاملاً يخفف منها بدل أن يزيدها؟

شاهد أيضاً

أرض الخناجر المعكوفة!

بقلم: محمد الرميحي- النهار العربيالشرق اليوم– “السباق إلى المكلا” هو الكتاب الثاني للخبير العسكري والأكاديمي …