الرئيسية / دراسات وتقارير / ما هي المخاوف التي تعطل “التطبيع الكامل” بين مصر وإيران؟

ما هي المخاوف التي تعطل “التطبيع الكامل” بين مصر وإيران؟

بقلم: إبراهيم مصطفى، اندبندنت
الشرق اليوم– تسارع مصر وإيران جهودهما للوصول إلى “نقطة التقاء” تعود فيها العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى وضعها الطبيعي، بعد نحو 45 عاماً من الانقطاع. فبعد تزايد وتيرة تواصل مسؤولي البلدين خلال الـ18 شهراً الماضية، تعمل وزارتا خارجية البلدين على رسم “خريطة طريق” لتطبيع العلاقات.

آخر مؤشرات التقارب كان لقاء وزيري خارجية البلدين على هامش القمة الإسلامية في غامبيا، في الرابع من مايو (أيار) الجاري، الذي اتفق خلاله الجانبان على “مواصلة التشاور بهدف معالجة كل الموضوعات والمسائل العالقة، سعياً نحو الوصول إلى تطبيع العلاقات” في ضوء “توجيهات قيادتي البلدين خلال الفترة الماضية”، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، فيما كان وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبداللهيان أكثر وضوحاً بتصريحه بعد أيام من اللقاء، عبر تأكيده أن القاهرة وطهران “تسيران على طريق إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مجراها الطبيعي”.

ورغم التواصل العلني بين مسؤولي البلدين، الذي وصل إلى عقد لقاء بين الرئيسين عبدالفتاح السيسي وإبراهيم رئيسي، العام الماضي، فإن ذلك لم يترجم إلى إعلان رسمي لرفع مستوى العلاقات التي ظلت على مستوى القائم بالأعمال منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكانت قد قطعت تماماً في أعقاب إبرام مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.

مصالح متشابكة

البلدان اللذان انضما، أخيراً، إلى تجمع “بريكس” تتماس مصالحهما في عديد من الملفات، إذ تأثرت إيرادات مصر من العملة الأجنبية، بسبب الأعمال العسكرية لجماعة الحوثي في البحر الأحمر، مما أدى إلى انخفاض عائدات قناة السويس 50 في المئة، وفق تصريحات لوزيرة التخطيط المصرية هالة السعيد، وحققت القناة في أبريل (نيسان) الماضي 575 مليون دولار، مقارنة بـ904 ملايين دولار في أبريل 2023.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بدأت جماعة الحوثي سلسلة من الهجمات على السفن التجارية المتجهة إلى موانئ إسرائيل، بدافع “نصرة أهل غزة”، مما دفع شركات كبرى في النقل البحري إلى تجنب المرور في البحر الأحمر وقناة السويس، والتوجه نحو طريق رأس الرجاء الصالح.

وتمر عبر قناة السويس 12 في المئة من حركة التجارة العالمية، و30 في المئة من شحن الحاويات، وبلغت إيرادات القناة في السنة المالية السابقة 2022 – 2023 نحو 9.4 مليار دولار.

تحديات الإقليم

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي يرى أن “الاضطرابات الحالية في الشرق الأوسط تدفع القاهرة وطهران إلى مزيد من التقارب، سعياً للتعاطي مع التحديات الحالية بتنسيق بين الدول الإسلامية، في ظل الأزمات التي تحاصر المنطقة في ليبيا والسودان وسوريا وفلسطين وغيرها”.

وأشار بيومي، في تصريحات لـ”اندبندنت عربية”، إلى أن إيران هي من بدأت بقطع العلاقات في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات، بسبب “نزعة عنترية” لديها أعقبت معاهدة السلام مع إسرائيل، مضيفاً أنه “من مصلحة البلدين إعادة العلاقات لوضعها الطبيعي والتنسيق بينهما لمنع التدخلات الخارجية في شؤون الشرق الأوسط”، مؤكداً أنه رغم أن العلاقات على مستوى القائم بالأعمال فإن التصريحات الرسمية من كلا البلدين “إيجابية، وتصف كل منهما الأخرى بالدولة الشقيقة”.

وأكد بيومي أن التطبيع الكامل وتبادل السفراء بين القاهرة وطهران “لا يحتاج سوى توافق على موعد الخطوة، بخاصة أن الأرض ممهدة لذلك على صعيد التواصل الدبلوماسي”، مشيراً إلى أن من يرأس البعثة الدبلوماسية في القاهرة وطهران وإن كان مسماه “قائماً بالأعمال” لكن دائماً يجري اختيار دبلوماسيين على درجة عالية من الكفاءة والخبرة.
مؤشرات التقارب

وبدأت إشارات التقارب المصري – الإيراني مع لقاء وزير الخارجية المصري سامح شكري مع نائب الرئيس الإيراني علي سلاجقة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، على هامش مؤتمر الأمم المتحدة لأطراف اتفاق المناخ (كوب 27)، الذي أقيم بمدينة شرم الشيخ.

وفي الشهر التالي، التقى الرئيس السيسي “بشكل عابر” وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، على هامش مؤتمر “بغداد 2” الذي أقيم في الأردن، وأعقب ذلك إعلان الوزير الإيراني أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اقترح إطلاق حوار مصري – إيراني.

وأعقب اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران في مارس (آذار) 2023 تكهنات بقرب حدوث خطوة مماثلة بين القاهرة وطهران، عززتها تصريحات للخارجية الإيرانية على لسان المتحدث باسمها علي كنعاني، الذي وصف مصر بـ”الدولة المهمة” في المنطقة. وارتفع مستوى الآمال حين وجه الرئيس الإيراني وزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر في مايو من العام نفسه.

كما أعرب عبداللهيان عن أمله أن تشهد العلاقات مع مصر تطوراً وانفتاحاً جدياً ومتبادلاً، مؤكداً أن العلاقات مع القاهرة بين أولويات سياسات إيران الخارجية، كما كشف عن وجود دول لم يسمها تبذل جهوداً وتشجع البلدين على رفع مستويات العلاقات الثنائية، وتردد في تقارير إعلامية أن لسلطنة عمان والعراق دوراً في تقريب المسافات بين مصر وإيران.

لكن، ذلك التفاؤل الإيراني قابله رد مصري فاتر، إذ نفى وزير الخارجية المصري سامح شكري “ما تردد في الإعلام عن وجود مسار مصري – إيراني”، مضيفاً أنه “ليس له أساس من الصحة”، وذلك بعد نحو أسبوع من تصريحات الوزير الإيراني.

لكن، واقع اللقاءات المتبادلة أكد أن المياه تجري في نهر العلاقات الراكد منذ أكثر من أربعة عقود، إذ التقى وزيرا الخارجية على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعدها بأيام التقى وزيرا المالية في شرم الشيخ على هامش اجتماع البنك الآسيوي للبنية التحتية.

كما اجتمع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، مع رئيس مجلس النواب المصري حنفي جبالي، على هامش اجتماع لمجمع برلمانات دول منظمة “بريكس” في جنوب أفريقيا، وتوج تقارب البلدين بلقاء الرئيسين السيسي ورئيسي، على هامش القمة العربية الإسلامية المشتركة بالرياض نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

الاقتصاد أولاً

يلفت الباحث في الشأن الإيراني أحمد فاروق إلى أن هناك بالفعل علاقات قائمة بين إيران ومصر “لكن على مستوى رعاية المصالح”، موضحاً أن المفاوضات الجارية لرفع مستوى العلاقات إلى مستوى السفير، ومن ثم الوصول إلى “التطبيع الكامل للعلاقات والتعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية، وهو المستهدف بالدرجة الأولى من تطبيع العلاقات” بحسب تعبيره، ثم “الأمنية والعسكرية” لما تمثله مصر من ثقل أمني وعسكري في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن التنسيق السياسي في المنظمات الإقليمية والدولية، لا سيما عدم الانحياز ثم الـ”بريكس”.

وقال فاروق لـ”اندبندنت عربية”، إن إيران لطالما عبرت أن مصر المكافئ لها في الرصيد الحضاري والثقافي والثقل في منطقة الشرق الأوسط، موضحاً أن ذلك يعد من العراقيل أمام التطبيع الكامل للعلاقات، في ظل التوجهات الثقافية والأيديولوجية لإيران التي تنظر مصر إليها بعين الريبة وبما قد يهدد الأمن القومي.

وأشار إلى تصريحات لوزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي، أخيراً كشف فيها أنه توصل مع نظيره المصري آنذاك أحمد ماهر، إلى بيان مشترك بين البلدين، خلال عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، تمهيداً لرفع العلاقات بعد أن جرى حل الخلافات الأمنية والسياسية بين البلدين، لكن حالت الأجهزة الأمنية في القاهرة من دون إعلانه، ومن ثم استئناف العلاقات الكاملة، لذلك فـ”الخلافات بين البلدين هي في المقام الأول سياسية وأمنية تعوق الاستئناف الكامل للعلاقات”.

التطورات الأمنية

وأكد فاروق أن التطبيع الكامل للعلاقات “يعني مزيداً من التنسيق في المجالات ذات الاهتمام المشترك والقضايا التي تهم الجانبين، مثل القضية الفلسطينية وحرب غزة، فضلاً عن الرغبة المصرية في الوجود بدول لإيران كلمة فيها مثل العراق وأيضاً سوريا ولبنان بنسب متفاوتة، وقبل كل ذلك معالجة التحديات الناجمة عن الأعمال العسكرية للحوثيين في البحر الأحمر، بما يؤثر في الملاحة بقناة السويس”.

واعتبر الباحث في الشأن الإيراني أن التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة “تحفز رغبة البلدين في رفع مستوى العلاقات، لكن تحييد المخاوف الأمنية والثقافية ومدى قدرة الطرفين على الوصول إلى آليات للتنسيق بينهما في هذا المجال يلعب أيضاً دوراً في التطبيع الكامل”.

وأثار التقارب الأخير بين القاهرة وطهران مخاوف إسرائيل وفق تقارير إعلامية إسرائيلية، إذ نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية في يناير (كانون الثاني) الماضي تقريراً تحت عنوان “تحذير… مصر وإيران تقتربان تحت ستار الحرب في غزة”. محذرة تل أبيب من “التقارب المصري – الإيراني الذي بلغ مراحل متقدمة”.

وفي تصريحات سابقة لـ”اندبندنت عربية” أرجع الأكاديمي والكاتب الإيراني عماد آبشناس عدم وصول القاهرة وطهران إلى مرحلة الإعلان الرسمي عن التطبيع الكامل للعلاقات إلى “ضغوط سياسية كبيرة تتعرض لها القاهرة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لعدم اتخاذ تلك الخطوة”، مشيراً إلى أن تلك الضغوط “مستمرة منذ فترة، وليست وليدة الوضع الإقليمي الحالي بعد اندلاع حرب غزة”.

عقود الخلاف

كانت إيران قد أعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر عام 1979، عقب توقيعها معاهدة السلام مع إسرائيل، وعلى خلفية استقبال الشاه محمد رضا بهلوي الذي أسقطته الثورة التي نشبت في وقت سابق من هذا العام.

وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي، بدأت بعض اللقاءات بين المسؤولين المصريين والإيرانيين في محافل دولية، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لبعثتي رعاية المصالح في البلدين إلى مستوى سفير، وأفرجت مصر عن الأرصدة الإيرانية في البنوك المصرية.

وشهدت العلاقات تحسناً ملحوظاً في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، الذي كان أول رئيس مصري يزور طهران منذ عقود، لكنها كانت بغرض المشاركة في قمة مجلس التعاون الإسلامي، كما زار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في أبريل (نيسان) 2013 القاهرة وقوبل بحفاوة رسمية.

غير أن تلك الزيارات لم تترجم في قرار رسمي باستئناف العلاقات الدبلوماسية، وعاد الجمود بعد إطاحة مرسي إثر ثورة الـ30 من يونيو (حزيران) 2013، باستثناء توجيه دعوة رسمية لرئيس إيران لحضور حفل تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسي عام 2014، الذي أناب عنه نائب وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان الذي يتولى رئاسة الدبلوماسية الإيرانية حالياً.

شاهد أيضاً

بلومبيرغ: روسيا تجند أفارقة وأجانب آخرين للقتال في حربها ضد أوكرانيا

الشرق اليوم– زعمت وكالة بلومبيرغ الإخبارية الأميركية أن موسكو أرغمت آلاف المهاجرين والطلاب الأجانب على …