الرئيسية / عام / لماذا تدخلت فرنسا لاعتراض الصواريخ الإيرانية ضد إسرائيل؟

لماذا تدخلت فرنسا لاعتراض الصواريخ الإيرانية ضد إسرائيل؟

بقلم: أمل قارة- اندبندنت
الشرق اليوم– كما كان متوقعاً، في فجر الـ14 من أبريل (نيسان) الجاري شنت إيران هجوماً مباشراً على إسرائيل باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، وجاء هذا الهجوم رداً على الهجوم الدموي الذي استهدف قنصليتها في دمشق، وعلى رغم عدم إعلان إسرائيل مسؤوليتها فإن المرجح أنها كانت وراء تنفيذه، وبهذا يعتبر الهجوم الإيراني المباشر الأول ضد إسرائيل، ويندرج ضمن سلسلة من الأحداث في إطار الحرب الخفية التي دامت لأعوام بين الطرفين.

لم تبقَ إسرائيل وحدها في مواجهة هذه الهجمات، إذ تدخلت الولايات المتحدة وفرنسا أيضاً كحلفاء للوقوف إلى جانبها، وفي هذا السياق أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركة طائرات فرنسية في اعتراض بعض الصواريخ والمسيّرات التي أطلقتها إيران نحو إسرائيل في أجواء الأردن، وأكدت فرنسا التزامها تجنب مزيد من التصعيد في الصراع بين إسرائيل وإيران في الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه أشار وزير الخارجية البريطاني إلى أهمية عدم الرد العسكري من إسرائيل بعد الهجوم الإيراني، مما يبرز الجهود الدولية المشتركة للحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد في المنطقة.

هذه التطورات تثير التساؤلات حول أسباب شن إيران أول هجوم مباشر على إسرائيل، وتدفعنا إلى التساؤل عن دوافع وأهداف تدخل فرنسا في هذا الصراع الإقليمي المتصاعد.

تهديد إيراني

في رده على السؤال المتعلق بسبب شن إيران لأول هجوم مباشر على إسرائيل، صرح المحلل السياسي شارل قازان إلى “اندبندنت عربية” بأن “الهجوم الإيراني جاء كرد فعل على تدمير إسرائيل للقنصلية العامة الإيرانية في العاصمة السورية دمشق، ويُعتبر رسالة تهديد تحمل في طياتها قدرة إيران على الرد العسكري وإظهار قدراتها على المشاركة في صراع مع إسرائيل.

ومن وجهة نظر قازان، فإن “الهدف الحالي لفرنسا هو التعامل مع الوضع بحكمة وتجنب أي تصعيد محتمل، إضافة إلى العمل على تهدئة التوتر والضغط على غزة. ويبرز أيضاً أن فرنسا تدرك ضرورة تعزيز دبلوماسيتها مع مصر والأردن في سياق الأزمة الراهنة في غزة”.

,تحليل شارل قازان يشير إلى أن تدخل فرنسا كان في جوهره حماية للمنشآت العسكرية في الأردن وأن هذا التدخل يعكس تضامنها مع إسرائيل بهدف منع أي رد فعل عسكري من جانبها. وهذه الرؤية تعزز فهمنا للدور الذي تقوم به فرنسا في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب التصعيد، وتؤكد أهمية التعاون الدولي والدبلوماسي في تحقيق هذه الأهداف.

في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، يعتقد قازان بأن فرنسا فقدت بعضاً من وزنها السياسي في المنطقة، إذ تجد صعوبة في ممارسة الضغط عليها، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تقوم بدور رئيس في ممارسة الضغط السياسي، وتمتلك القدرة على تحقيق ذلك بصورة أكبر، ومع اقتراب الانتخابات الأوروبية يشك قازان بالرغبة الفعلية للجانب الأميركي في ذلك.

السياسة الفرنسية

المحلل السياسي الفرنسي ألان غريش يقول لـ”لندبندنت عربية” إن فرنسا، على غرار معظم الدول الأوروبية، تميل إلى دعم إسرائيل في ما يتعلق بالصراع في قطاع غزة. وكانت السلطات الإسرائيلية حظيت بدعم من فرنسا التي امتنعت بدورها عن التعليق على الصراع الذي كشف عن اتجاهات مماثلة لتلك التي أشارت إليها المحكمة الجنائية الدولية في شأن الإبادة الجماعية.

وأوضح غريش أن الرئيس ماكرون بدأ بالتعبير عن تحفظاته بعد تجاوز عدد حالات الوفاة حاجز الـ 20000 قتيل، وعلى رغم ذلك فإن فرنسا كانت أكثر تحفظاً من بلدان أوروبية أخرى مثل بلجيكا أو إيرلندا أو إسبانيا.

وأضاف أن فرنسا رفضت فرض أية عقوبات على إسرائيل وما زالت تمتنع عن الاعتراف بدولة فلسطين، موضحاً أن هذه السياسة تواصل الاتجاهات التي اتبعها الرئيسان السابقان ساركوزي وهولاند، على رغم أنها تمثل تغييراً عن السياسة التي تبنتها فرنسا في السبعينيات والتسعينيات.

وفي ما يتعلق بإيران، يعتبر غريش أن الهجوم الإيراني كان محسوباً ومحدوداً للغاية، وجاء رداً على تدمير إسرائيل للقنصلية العامة الإيرانية في دمشق، وهو انتهاك لجميع القوانين الدولية. ولم تدِن فرنسا هذا الانتهاك. وأعادت فكرة التحالف الكبير ضد “الإرهاب” الأمل في أن تجعل الدول العربية وإسرائيل تتحد مع الغرب ضد إيران وحلفائها، متجاهلة في الوقت نفسه الحرب في غزة التي تسببت في التوترات.

ويواصل ألان غريش التأكيد على التحدي الذي تواجهه فرنسا في تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، حيث يعتبر أن من الصعب رؤية الدور المستقل الذي قد تقوم به فرنسا، موضحاً أن الأخيرة تلتزم توجيهات الولايات المتحدة وتعتمد على قراراتها في المنطقة.

ضرورة الرد

في السياق، يؤكد المحلل السياسي ورئيس تحرير “مونت كارلو” الدولية مصطفى طوسة أن إيران كانت مضطرة إلى الرد على الهجمات الإسرائيلية التي وقعت في الأول من أبريل الجاري على مبنى القنصلية الإيرانية في العاصمة السورية دمشق والتي أسفرت عن مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين.

وأضاف طوسة أن النظام الإيراني كان مضطراً إلى الرد حفاظاً على مصداقيته على المستوى الداخلي، أي أمام الرأي العام الإيراني، وعلى المستوى الإقليمي، مشيراً إلى تعدد الهجمات الإسرائيلية، إذ يأتي الهجوم على القنصلية في أعقاب سلسلة من الغارات الجوية ضد أهداف إيرانية يُعتقد بأن إسرائيل وراءها، في حين تتخذ إيران غالباً مواقف تهديدية من دون اللجوء إلى الخيار العسكري، لكنها نفذت هذه المرة استراتيجية مختلفة من خلال بث رسالة تهديد إلى إسرائيل والأوروبيين تعبر فيها عن قدرتها على توجيه ضربة مباشرة على التراب الإسرائيلي، وهذا التحرك يعتبر الأول من نوعه في تاريخ الصراع بين الطرفين.

نحو تحقيق السلام

طوسة يؤكد أن فرنسا تسعى دائماً إلى إيجاد حل وسط للصراع الجوهري في الشرق الأوسط الذي يتعلق بفلسطين، كما تلتزم بشدة ضمان أمن إسرائيل الذي تعتبره أمراً حيوياً لمصالحها وللاستقرار في المنطقة بصورة عامة. وتدعو فرنسا إلى ضمان حقوق الفلسطينيين وتحث إسرائيل على ضمان أمنها على الحدود، وإضافة إلى ذلك، فإن باريس تدعم فكرة إقامة دولة فلسطينية داخل حدود عام 1967، مع الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة لها، وهو موقف يتماشى مع مواقف كثير من الدول الأوروبية والعربية.

ويشير المحلل السياسي إلى أن وجهة نظر الجانب الفرنسي ترى أن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه وتجنب العمليات العسكرية إلا من خلال التوصل إلى اتفاقات سياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين تحت إشراف الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.
ومن وجهة نظر مصطفى طوسة، فإن الجانب الفرنسي يعتمد على حل الدولتين كوسيلة مثلى لتحقيق الاستقرار، مما تدافع عنه الدبلوماسية الفرنسية في المنتديات الدولية كافة.

ويؤكد أنه منذ بداية الحرب على قطاع غزة كان الهدف الرئيس للدبلوماسية الفرنسية تهدئة حدة النزاع وتفادي اندلاع صراع إقليمي، إذ تركزت جهودها على منع حدوث حرب إقليمية شاملة، موضحاً أن فرنسا تستثمر دائماً في محاولات إقناع أطراف مختلفة، بما في ذلك “حزب الله” اللبناني، بضرورة عدم التصعيد ومنع تصاعد الصراع.

وفي اعتقاده أن العقيدة الفرنسية تكمن في السعي إلى إقناع دول الجوار مثل الأردن ومصر وحتى القيادات السورية، بضرورة تجنب الاستجابة لهذه الاستفزازات وعدم المشاركة في تصاعد المواجهات الإقليمية.

ويرى طوسة أن الهدف الرئيس لفرنسا هو احتواء النزاع والعمل على وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات سياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ويعتبر الدبلوماسيون الفرنسيون أن الانفجار الإقليمي لن يخدم مصلحة أي من الأطراف وأن الفوضى وعدم الاستقرار يخدمان فقط مصلحة الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، لذلك يجب الاستثمار في التفاهمات الدبلوماسية التي تسهم في تهدئة التوترات ومنع اندلاع الحرب.

ويضيف أن الدبلوماسية الفرنسية تسعى في كل الأوقات، سواء مع الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني أو العربي، إلى الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة. ويعتقد الفرنسيون بأن الأمور الجغرافية والتاريخية والاستراتيجية تجبر الإسرائيليين والفلسطينيين على العيش جنباً إلى جنب، مما يسعى الجانب الفرنسي إلى تحقيقه.

تداعيات تصاعد التوتر

في ما يتعلق بالتداعيات المحتملة لتصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل على المشهد السياسي الفرنسي، يرى مصطفى طوسة أنه من غير المرجح حدوث ظاهرة مثل مساندة طهران من قبل أحزاب سياسية فرنسية، نظراً إلى سمعة النظام بوصفه سلطوياً وقمعياً وتورطه أيضاً في استراتيجيات تعارض مصالح الغرب ودعم الإرهاب.

ويقول طوسة إنه من غير المرجح حدوث موجات شعبية تدعم إيران في فرنسا، نظراً إلى الصورة السلبية المرتبطة بالنظام الإيراني في الوعي الجماهيري الفرنسي. وفي المقابل، هناك فئات في المجتمع الفرنسي تنادي بدعم الشعب الفلسطيني في مواجهته للاحتلال الإسرائيلي وتعارض السياسات العسكرية الإسرائيلية.

ويشير إلى أن فرنسا يمكن أن يكون لها دور محوري وفاعل في تحقيق الاستقرار في المنطقة الشرقية، شريطة أن تشارك في خطط الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن التعاون الدولي المشترك يمكن أن يسهم في تهدئة التوترات وتعزيز الاستقرار، ويلفت إلى أن فرنسا وحدها قد لا تكون قادرة على إقناع دول مثل إسرائيل أو إيران باتخاذ خطوات للتخفيف من التوترات، ولكن عبر الجهود الدولية المشتركة يمكن لفرنسا أن تقوم بدور مهم وفاعل في هذا السياق.

اللجوء إلى العقوبات

وقرر الاتحاد الأوروبي أمس الأربعاء فرض عقوبات جديدة تستهدف منتجي الطائرات من دون طيار والصواريخ في إيران، إذ أعلن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في ختام قمة بروكسل أن تكتل “محموعة السبع” قرر فرض عقوبات جديدة على طهران تستهدف شركات تنتج طائرات مسيّرة وصواريخ، فيما تعهدت واشنطن ولندن بفرض عقوبات مماثلة.

وفي هذا الصدد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تل أبيب “تحتفظ بالحق في حماية نفسها” في مواجهة الضغوط الدولية على حكومته لتجنب رد ضد إيران.

في الختام، ينبغي التنبيه إلى خطر التصعيد في منطقة الشرق الأوسط إذا قررت إسرائيل اللجوء إلى رد فعل عسكري، فقد يؤدي ذلك إلى تصاعد التوترات على الحدود الشمالية والجنوبية للبلاد، مما يعرض المنطقة بأكملها لصراع واسع النطاق.

لذا قد تجد إسرائيل نفسها في مواجهة تحديين أمنيين متزامنين، فيمكن أن ينطلق التهديد من دخول “حزب الله” في الشمال إلى إسرائيل، مما قد يؤدي إلى اندلاع حرب شاملة، فبنيامين نتنياهو يسعى إلى تنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، بخاصة تجاه منشآتها النووية التي يعتبرها تهديداً لمستقبل إسرائيل. فهل يمكنه اعتبار هذه الهجمات الإيرانية فرصة لتحقيق أهدافه بتوجيه ضربة قوية للمشروع النووي الإيراني؟.

وهناك سيناريو آخر يدل على إمكان استهداف إسرائيل مصالح إيرانية من دون اللجوء إلى قصف أراضيها. ويبدو أن رد الفعل القوي قد لا يؤدي إلى جر المنطقة بأكملها نحو نزاع يصعب تقدير عواقبه. وتشمل السيناريوهات البديلة خيارات مثل الهجوم الإلكتروني الشامل، أو تعطيل البحرية الإيرانية كما يقترح بعض المتخصصين الذين يشيرون إلى وضع ضعيف بالفعل لهذا الجانب العسكري، ومع ذلك لا يوجد شيء ملموس بعد في هذا الصدد.

والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كانت إسرائيل سترد فعلاً على رغم الدعوات إلى ضبط النفس، وما هي الخطوة التالية التي ستقوم بها؟، ويتعلق هذا بكيفية الرد بفاعلية وبصورة متوازنة في الوقت نفسه

شاهد أيضاً

نافاس يُعلن الرحيل عن باريس سان جيرمان

الشرق اليوم– أثار إعلان كيليان مبابي عن وداعه لفريق باريس سان جيرمان النقاش حول مستقبل …