الرئيسية / مقالات رأي / روسيا في عهدة بوتين الجديدة

روسيا في عهدة بوتين الجديدة

بقلم: كمال بالهادي – صحيفة الخليج

الشرق اليوم- “أمامنا العديد من المهام. ولكن عندما نتوحد، بغض النظر عمن يريد ترهيبنا أو قمعنا، لم ينجح أحد في التاريخ على الإطلاق في ذلك، ولم ينجحوا الآن، ولن ينجحوا أبداً في المستقبل”. بهذه الكلمات بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطاب النصر الذي ألقاه الأسبوع الماضي بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية. نبرة تحدٍّ وقوّة تذكر بزعيم تاريخي استطاع أن يتحدى الغرب وأن يعيد أمجاد روسيا العظيمة.

فوز بوتين بست سنوات قادمة لحكم روسيا أمر لم يكن غريباً، ولكنه بالنسبة إلى الغرب أمر يقضّ مضاجعهم، فهم يعلمون أن ساكن الكرملين القوي، لن يتراجع عن سياسته تجاه الغرب الذي لا يخفي مطامعه في إذلال روسيا وجعلها دولة طيّعة. بوتين (71 عاماً) سيضمن بسهولة فترة رئاسية جديدة مدتها ست سنوات ستجعله يتفوق على جوزيف ستالين ليصبح أطول زعماء روسيا بقاء في المنصب منذ أكثر من 200 عام. وبالنسبة لبوتين، الضابط السابق بجهاز المخابرات السوفييتية (كي.جي.بي) الذي صعد إلى السلطة لأول مرة في عام 1999، فإن النتيجة تؤكد أنه ينبغي لزعماء الغرب أن ينتبهوا إلى أن روسيا ستكون أكثر جرأة سواء في السلم أو الحرب لسنوات عديدة مقبلة. هذه الجرأة تمثلت في توجيه الجيش الروسي إلى أوكرانيا وإحباط الخطط الغربية التي كانت تسعى لتحويل أوكرانيا قاعدة متقدمة لحلف الناتو. ولعلّ معاناة الغرب مازالت متواصلة لسنوات قادمة، وهذا ما ظهر في تصريحات قادة الغرب بعد إعلان فوز بوتين.

إعادة المجد الروسي ليس مجرّد شعارات ترفع بل هي واقع ملموس يعترف به الغرب قبل غيرهم، فصاحب كتاب «هزيمة الغرب» إيمانويل تود عالم الاجتماعي الفرنسي يقدم قراءات علمية على إعادة الروح للمجتمع الروسي في عهد بوتين، إذ يقول عن صلابة الجبهة الداخلية الروسية بين عامي 2000 و2017، وهي المرحلة المركزية لتحقيق الاستقرار في عهد فلاديمير بوتين، إنّ معدل الوفيات الناجمة عن إدمان الكحول في روسيا انخفض من 25.6 لكل 100 ألف نسمة إلى 8.4 لكل 100 ألف نسمة.

كما انخفض معدل الانتحار من 39.1 إلى 13.8، ومعدل القتل من 28.2 إلى 6.2. أما معدل الوفيات السنوية بين الرضّع، فقد انخفض من 19 لكل 1000 «طفل ولد حياً» في عام 2000 إلى 4.4 في عام 2020، وهو أقل من المعدل الأمريكي البالغ 5.4 (بحسب اليونيسيف)، أما البيانات الاقتصادية لروسيا فتثبت الارتفاع السريع في مستوى المعيشة بين عامي 2000 و2010، وتلاه بين عامي 2010 و2020 تباطؤ ناجم عن الصعوبات الناجمة بشكل خاص عن العقوبات التي أعقبت ضم شبه جزيرة القرم.

وهناك مؤشرات راهنت عليها موسكو وكانت أحد دروعها الأساسية في الحرب. فقد نجحت روسيا، في غضون سنوات قليلة، ليس فقط في تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، بل في أن تصبح واحدة من أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم. وصلت صادرات الأغذية الزراعية الروسية إلى مستوى قياسي بلغ 30 مليار دولار، وهو رقم أعلى من عائدات صادرات الغاز الطبيعي في العام نفسه أي 2020 (26 مليار دولار). وهذه الديناميكية، التي كانت مدفوعة في البداية بالحبوب والبذور الزيتية، أصبحت الآن تعتمد أيضاً على صادرات اللحوم. كما سمح أداء القطاع الزراعي لروسيا بأن تصبح مصدراً صافياً للمنتجات الزراعية في عام 2020.

وكلّ هذه المؤشرات تثبت أن روسيا أعادت بناء مجدها وتواصل ذلك على أسس متينة بعيدة عن السياسات المافيوزية الغربية، من ذلك أنه حظر أي نشاط للمثليين في روسيا وأعلى قيمة العائلة والزواج، وأعاد جائزة الأم البطلة للأم التي تنجب عشرة أطفال، لأنّ من معايير القوة في الدول والإمبراطوريات هي القوة البشرية. أما عسكرياً فإن روسيا استطاعت أن تتحدى الغرب وكل أسلحته وهزمتهم في أوكرانيا.

وفضلاً عن الجبهة الداخلية المستقرة والموحدة، تعتمد روسيا على تحالفات قوية وتتمدد في كل جغرافيا العالم من آسيا إلى إفريقيا وحتى أوروبا، وبذلك تفرض وجودها وتتحدى أمريكا وأوروبا. ويكفي بوتين أنه أعاد بناء العلاقات الصينية الروسية على أسس متينة وشراكات قوية باتت اليوم سلاحاً في إعادة التوازن في ملعب السياسة الدولية. المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان قال خلال مؤتمر صحفي، ردّاً على سؤال بشأن عملية الاقتراع التي اختتمت الأحد في روسيا، إن «الصين تتقدم بتهانيها على هذا الأمر».

وأكد لين جيان أن بكين تؤمن «بأنه في ظل التوجيه الاستراتيجي للرئيس شي جين بينغ والرئيس بوتين، ستواصل العلاقات بين الصين وروسيا المضي قدماً»، لافتاً إلى أن البلدين يحييان هذا العام الذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية. وتأتي في ظل ولاية جديدة لبوتين ستكون أكثر حيوية لروسيا. معالم المستقبل الروسي تبدو واضحة في ظل استقرار سياسي يقوده رئيس نجح في إعادة الروح للأمة الروسية في ظل حرب معلنة عن الحضارة السلافية.

شاهد أيضاً

الأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات

بقلم: فيصل الشبول- الشرق الأوسطالشرق اليوم– لأسباب وطنية وقومية، تاريخية وجغرافية وديموغرافية واستراتيجية، يعد الأردن …