الرئيسية / مقالات رأي / أهداف التصعيد الإسرائيلي المتدرج لحرب محدودة في لبنان… ربيع ساخن ميدانياً

أهداف التصعيد الإسرائيلي المتدرج لحرب محدودة في لبنان… ربيع ساخن ميدانياً

بقلم: رياض قهوجي – النهار العربي
الشرق اليوم– تزداد الجبهة اللبنانية مع إسرائيل سخونة وتنهار قواعد الاشتباك يوماً بعد آخر مع استمرار القصف المتبادل، والذي بات اليوم بلا ضوابط ويغطي مساحة واسعة من الأراضي اللبنانية وصولاً إلى بعلبك.

تستمر إسرائيل في سياسة التصعيد المتدرج التي تمكّنها العمل في منطقة رمادية واسعة تشكّلت نتيجة قرار “حزب الله” – إيران فتح جبهة الجنوب لدعم “حماس” في غزة ضمن ما يُعرف باستراتيجية “توحيد الساحات”. وبما أنّ قيادة محور الممانعة لا تريد تصعيد المواجهة إلى حرب واسعة في جنوب لبنان، في وقت لا تمانع إسرائيل من حرب محدودة بهدف تقليص قدرات “حزب الله”، فإنّ الأخيرة تقوم بتوجيه ضربات موجعة في شكل عمليات اغتيال من الجو وتدمير للبنية التحتية العسكرية للحزب في لبنان، بدءاً من الجنوب نحو البقاع.

تشير الضربات الإسرائيلية الأخيرة الى أنّ تل أبيب تريد تحقيق ثلاثة أهداف: أولاً، تقليص قدرات “حزب الله” العسكرية عبر استهداف مخازن الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة وأبراج المراقبة ومنصّات الصواريخ ومراكز تجمع المقاتلين وأي مبنى أو آلية يشتبه باستخدام الحزب لها. كما تقوم بتصفية القيادات الميدانية لخلق فراغ في البنية القيادية، بخاصة من ذوي الخبرة.

ثانياً، إحراج قيادة الحزب أمام جمهورها عبر ضرب هيبة الردع وإظهارها عاجزة عن وقف الضربات الإسرائيلية ضدّ القرى والبلدات في أي مكان في لبنان. فهذه القيادة لطالما توعدت بأنّ إسرائيل لن تجرؤ على قصف المناطق السكنية وقتل المدنيين وبأنّه في حال حصول ذلك فإنّها ستدمّر إسرائيل بأكثر من 100 ألف صاروخ وستجتاح الجليل. لكن الضربات الإسرائيلية تزداد حدّة وعمقاً ودموية في وقت تستمر قيادة الحزب في ضبط ردّها منعاً للانزلاق الى حرب واسعة يعتقد أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول افتعالها. ويؤدي طول فترة الحرب الذي تجاوز توقعات الجميع، إلى زيادة الضغط والاستنزاف للحزب، بخاصة مع تصاعد الانقسامات الداخلية في لبنان المعارضة لفتح جبهة الجنوب.

ثالثاً، تغيير الواقع الذي كان قائماً على حدودها الشمالية قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، بخاصة في منطقة إصبع الجليل – مزارع شبعا. يبدو أنّ إسرائيل تريد دفع مقاتلي الحزب الى أكثر من 10 كيلومترات على طول الحدود، وليس فقط بحسب القرار 1701 الذي يتحدث عن منطقة جنوب نهر الليطاني. فوفق مصادر غربية انّ المسافة عن خط الليطاني واسعة في القطاع الغربي، ولكنها تضيق في القطاع الشرقي الى اقل من 3 كيلومترات. ولذلك تسعى فرنسا للعمل على إجراء مفاوضات لتنفيذ المطلب الإسرائيلي بسحب مقاتلي “حزب الله” من جبهة مزارع شبعا إلى أكثر من 10 كيلومترات، الأمر الذي يرفضه الحزب حتى الآن.

تقول مصادر غربية، إنّ القيادة الإسرائيلية أبلغت واشنطن وباريس أنّه في حال فشل الدبلوماسية فإنّ قواتها ستقوم بحرب واسعة إنما محدودة الأهداف، تتضمن غزواً برياً من أجل إنشاء حزام أمني بعمق 10 كيلومترات يكون خالياً بمعظمه من السكان. وتضيف المصادر أنّ القيادة الإسرائيلية تدرك التحدّيات المترافقة مع وجود قواتها في حزام أمني، الاّ أنّها تعتبر أنّ بين التعايش مع خطر داهم باجتياح المستوطنات الشمالية ومخاطر الحزام الأمني، فإنّها تفضّل الخيار الأخير. فالخيار الأول يمثل تهديداً وجودياً إنما الآخر فهو أمني. فإسرائيل تعمل على تجنّب سيناريو مستقبلي مشابه للسابع من تشرين الأول على حدودها الشمالية.

تسعى إيران حالياً جاهدة لتجنيب “حزب الله” ضربة قوية، بعدما فشلت في حماية “حماس” وإنقاذ مقاتلي الحركة من مصير صعب. فلم تفلح استراتيجية “توحيد الساحات” بوقف الهجوم البري الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي بات جزءاً كبيراً منه تحت سيطرة القوات الإسرائيلية. وتستعد إسرائيل الآن للدخول الى رفح – آخر معاقل “حماس” في القطاع. وتحظى إسرائيل بدعم غربي واسع ومن دون ممانعة عربية، بمنع “حماس” من العودة الى غزة منزوعة السلاح أو حتى المشاركة في ادارتها بعد انتهاء الحرب. وتحذّر إيران من أنّ أي غزو إسرائيلي بري لجنوب لبنان سيؤدي الى حرب شاملة في المنطقة، لكنها لم تشر في رسائلها الى جهات غربية إذا ما كانت ستشارك (إيران) فيها بشكل مباشر. لكن التجارب السابقة أثبتت أنّ طهران لا تريد الدخول في أي حرب مباشرة مع إسرائيل وأميركا، وتترك هذه المهمّة لوكلائها في المنطقة.

يعتقد معظم المراقبين أنّ إسرائيل ستتفرّغ تماماً للجبهة اللبنانية خلال فترة الهدنة المرتقبة مع “حماس” في قطاع غزة أو عند انتهاء العمليات البرية هناك. فإسرائيل لا تربط استمرار عملياتها على الجبهة الشمالية بوقف للنار في غزة – كما يأمل “حزب الله”. وتريد اسرائيل حشد فرقها النظامية لتنفيذ عملية عسكرية قد تجد نفسها مضطرة لخوضها في جنوب لبنان. كما أنّها بحاجة لتركيز عمليات قواتها الجوية لهذه الساحة وللأراضي السورية، حيث يعتقد أنّ الميليشيات الإيرانية هناك ستتحرّك لمساعدة “حزب الله”.

وتنقل جهات غربية عن مصادر إسرائيلية أنّها تدرك حجم قدرات “حزب الله” العسكرية، ولكنها تشير الى أنّ القوات الإسرائيلية أكثر تدريباً وتجهيزاً لحرب في لبنان مما كانت عليه في حرب عام 2006. كما أنّ معارك غزة شكّلت معمودية نار حيّة لألوية إسرائيلية عديدة ستشارك في أي عمل عسكري مقبل في جنوب لبنان. وتضيف المصادر أنّ الاستفزازات الإسرائيلية دفعت “حزب الله” الى الكشف عن الكثير من أوراقه ميدانياً، وتحديداً في نوعية بعض الصواريخ الجديدة التي حصل عليها من إيران وكيف يستخدمها ميدانياً. كما مكّنت تحرّكات مقاتلي “حزب الله” إسرائيل من كشف بعض أماكن تخزين الأسلحة والمواقع اللوجستية ومراكز القيادة والسيطرة، وتقول إسرائيل إنّها دمّرتها. ويُتوقع بحسب المصادر أن تحاول إسرائيل إبقاء ساحة العمليات في الجنوب وصولاً الى البقاع، وستكون بمستوى العنف ذاته الذي شهده العالم في غزة. لكنها ستتجنّب قصف بيروت والمناطق شمال العاصمة إذا لم يطل ردّ “حزب الله” تل أبيب وما بعدها من المدن الرئيسية.

وبناءً عليه، يواجه لبنان احتمالية كبيرة لحرب وشيكة مع إسرائيل ليس لحكومته وشعبه كلمة فيها. كما أنّ لا دور لهما في إمكان تجنّبها. ففي معادلة جيش وشعب ومقاومة تبقى قرارات الحرب والسلم حصراً في يد المقاومة ومن خلفها إيران. كما أنّ كيفية مواجهة “حزب الله” حربه الاختيارية مع إسرائيل ستحدّد المساحة التي سيطالها القصف الإسرائيلي للأراضي اللبنانية. وبحسب هذه المعطيات وما لم تنجح الجهود الدبلوماسية الحالية، فإنّ الربيع المقبل سيكون صعباً جداً على لبنان.

شاهد أيضاً

بوتين وكيم.. وتحدي الغرب

الشرق اليوم- في إطار الصراع المحتدم على مساحة العالم من خلال الحروب والصراعات والحصار والعقوبات …