الرئيسية / مقالات رأي / “رفح” رهينة نتنياهو لوقف إطلاق النار في غزة

“رفح” رهينة نتنياهو لوقف إطلاق النار في غزة

بقلم: جو معكرون – النهار العربي

الشرق اليوم- رفح هي المخاض الأخير في معركة ومفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة. اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أخذ المدينة رهينة اتفاق حتمي لم تكتمل كل ملامحه بعد، ويشمل وقف إطلاق نار وتبادل أسرى وخريطة طريق لحلّ النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي.

بعد حصولهم على ضمانات إسرائيلية ودولية لعبورهم الآمن من شمال القطاع الى جنوبه، هناك أكثر من مليون فلسطيني على مساحة 55 كيلومتراً مربعاً في أكبر مدن القطاع على الحدود المصرية، محاصرين بين البندقية والمعبر والبحر. هم الآن وسيلة ضغط لنتنياهو على الإدارة الاميركية للحصول على مبتغاه في مفاوضات تتقدّم وتتعثر قبل أن تصل الى خواتيمها.

بدأت خلال الأسابيع الأخيرة محاولة للعودة إلى المسار التقليدي للدور الأميركي في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، عبر تنسيق اميركي-عربي يقابله رفض إسرائيلي قاطع لهذه المقاربة. إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تُجري اتصالات وتعقد لقاءات مع مصر والاردن والسعودية وقطر والإمارات، للتوصل الى صيغة مقبولة من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

الخطة المطروحة تشمل وقف إطلاق نار لمدة ستة أسابيع على الأقل، واتخاذ الخطوات الأولى لتشكيل دولة فلسطينية، تشمل الإعلان عن حكومة انتقالية. لدى نتنياهو حتى الآن رفض مطلق لأمرين: اولاً حجم ونوعية اتفاق تبادل الأسرى كما كان واضحاً عندما منع الوفد الاسرائيلي من الذهاب إلى القاهرة لاستكمال التفاوض حول هذه المسألة، وثانياً، الدولة الفلسطينية وخطواتها التمهيدية، أي تفكيك المستوطنات من الضفة الغربية وإعادة إعمار غزة وترتيبات لحكم فلسطيني مشترك للضفة الغربية والقطاع، مقابل ضمانات أمنية لإسرائيل وعروض تطبيع مفتوحة الأفق من السعودية وغيرها من الدول العربية.

الضغط الأميركي-العربي هو لإعلان اتفاق قبل بدء شهر رمضان في 10 آذار (مارس) المقبل، ونتنياهو قرّر أخذ رفح رهينة من دون مهلة زمنية، للقبض على هذه المفاوضات التي في حال وافق على صيغتها الحالية تكون نهايته السياسية، باعتبار أنّ اليمين المتطرّف قد يتخلّى عنه، ومجرد وقف إطلاق النار يفتح المجال لمعركة مساءلة كبيرة داخل إسرائيل سيكون نتنياهو اول ضحاياها. ما يسعى اليه نتنياهو هو ربط المفاوضات ليس بخواتيمها بل بهجوم 7 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، كما كان واضحاً حين أبلغ وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن أنّ الاعتراف بدولة فلسطينية سيكون “جائزة” لمنفّذي هذه العملية. نتنياهو يريد الحفاظ على سيطرة أمنية إسرائيلية مطلقة على المنطقة الواقعة غرب نهر الاردن، كما يريد إطلاق سراح الأسرى بالقوة وليس بالتفاوض.

هناك استعداد غربي للاعتراف بدولة فلسطينية، تبقى فارغة من مضمونها من دون تنازلات إسرائيلية جذرية وقدرة فلسطينية على الحدّ الأدنى من الحكم الذاتي. إدارة بايدن تريد مقاربة متكاملة تُبنى على زخم الجهود العربية والدولية لإعلان وقف إطلاق النار في غزة، وهذا معزز بأصوات اميركية-عربية داخل الإدارة تقول إنّ “عملية السلام” في مضمونها التقليدي كانت من دون أفق أو سقف زمني، وبالتالي يجب وضع جدول زمني واضح لهذا الاتفاق بدل ترك الباب مفتوحاً للتفاوض. لكن لا دولة فلسطينية فعلية اذا لم يتخلّ الطرف الإسرائيلي عن السيطرة الأمنية والاقتصادية، ولا وقف جدّياً لإطلاق النار من دون انخراط اميركي أكثر جدّية.

حتى الآن ليس هناك ضغط اميركي مباشر وصريح على نتنياهو عبر وقف التعاون والتمويل او فرض عقوبات. بعد 19 اتصالاً هاتفياً بينهما منذ 7 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، لا يزال بايدن في علاقته مع نتنياهو في إطار التنبيه وطلب التوخّي في عدم قتل المدنيين الفلسطينيين، والأخير يمعن في خطاب يرفض فيه ما يسمّيه “الإملاءات الدولية”.

بدأ موقف بايدن المتردّد في الضغط لوقف إطلاق النار يؤثر سلباً عليه داخلياً، خلال عام انتخابات الرئاسة، لا سيما بين الناخبين الشباب في القاعدة الليبرالية. وبحسب “وال ستريت جورنال”، تراجعت إدارة بايدن عن حزمة إجراءات فكّرت باتخاذها ضدّ حكومة نتنياهو، وشملت اعتبار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية انتهاكاً للقانون الدولي، وفرض عقوبات على وزيرين من اليمين المتطرّف هما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، قبل أن تكتفي الإدارة مؤخّراً بفرض عقوبات على أربعة مستوطنين إسرائيليين مغمورين.

حتى الآن الضغط الاميركي غير مباشر عبر التوتر داخل مجلس الحرب الإسرائيلي، لكن من خيارات نتنياهو إنهاء حكومة الطوارئ عبر إقصاء الوزيرين بيني غانتس وغادي إيزنكوت، والعودة إلى التحالف مع اليمين المتطرّف، لكن غانتس يتماهى مع نتنياهو في بعض السياسات، مثل استمرار العمليات العسكرية في غزة بعد بدء شهر رمضان حتى تحرير الأسرى الإسرائيليين.

الموقف المصري مؤثر في رفح نظراً إلى التاريخ المعاصر والجغرافيا الحدودية. عندما انسحبت إسرائيل من سيناء عام 1982 تمّ تقسيم رفح إلى جزءين، الأول رفح الفلسطينية والثاني رفح المصرية، أدّى ذلك إلى تشريد العائلات والفصل بينها بحواجز من الأسلاك الشائكة، وتمّت إزالة مركز المدينة لإنشاء الحدود بين مصر وقطاع غزة. وما يحصل الآن هو ارتداد عن هذه الإجراءات.

تشير صور الأقمار الاصطناعية الى أنّ مصر بدأت ببناء منطقة عازلة محاطة بجدران إسمنتية عالية وأبراج أمنية على طول حدودها مع غزة، لإيواء نازحين فلسطينيين هاربين من هجوم تلوّح به اسرائيل إذا لم تطلق “حماس” سراح الأسرى. الاولوية المصرية هي منع تهجير النازحين الفلسطينيين الى أراضيها وليس الدخول في مواجهة مع إسرائيل. تهديد القاهرة حتى الآن يقتصر على تعليق اتفاق “كامب ديفيد” مع إسرائيل في حال شنّت هجومها على رفح. واشنطن تنبّه نتنياهو من قتل المدنيين، والقاهرة تتحضّر لسيناريو الهجوم، كأنّ هناك ضوءاً اخضر لنتنياهو لتنفيذ آخر عروضه القتالية قبل إعلان وقف إطلاق النار، في محاولة أخيرة لتجريد “حماس” من أوراقها التفاوضية الأساسية.

شاهد أيضاً

الأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات

بقلم: فيصل الشبول- الشرق الأوسطالشرق اليوم– لأسباب وطنية وقومية، تاريخية وجغرافية وديموغرافية واستراتيجية، يعد الأردن …