الرئيسية / مقالات رأي / أمريكا بين قوة الدولة وهشاشة المجتمع

أمريكا بين قوة الدولة وهشاشة المجتمع

بقلم: الحسين الزاوي – صحية الخليج

الشرق اليوم- تعيش الولايات المتحدة حالة استقطاب سياسي ومجتمعي غير مسبوق في ظرف تاريخي شديد التعقيد، تواجه فيه واشنطن صعوبات كبرى من أجل المحافظة على زعامتها للعالم. صحيح أن هناك من يقول إن أمريكا واجهت في زمن الحرب الباردة وضعيات أكثر صعوبة واستطاعت أن تتجاوزها بكل سهولة، غير أن هذا التفاؤل الذي يتمسك به بعض الخبراء الأمريكيين يغفل حجم التراجع الحاصل على مستوى الخيارات المتاحة لدى النخب الأمريكية على المستويين، الداخلي والخارجي. وهناك في كل الأحوال تناقض صارخ في الولايات المتحدة بين معطيين رئيسيين، أولهما قوة الدولة الأمريكية بمؤسساتها الأمنية المؤثرة في كل أرجاء المعمورة، وباقتصادها الذي يحتل المرتبة الأولى عالمياً، وثانيهما هشاشة المجتمع الأمريكي وعدم قدرته على استيعاب وتجاوز التناقضات الداخلية.

يحدث في المرحلة الراهنة تطوران مهمّان يؤثران بشكل جلي في المجتمع الأمريكي، يتعلق الأول بتداعيات محاكمة الرئيس السابق دونالد ترامب، في مشهد سوريالي يقول عنه الكثير من الأمريكيين إنه جعل السلطة القضائية تتحوّل إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية في يد السلطة التنفيذية، في تناقض صارخ مع مبدأ الفصل بين السلطات. أما التطور الثاني فيرتبط بثورة الجمهوريين في مجلس النواب من أجل التنديد بتجاوزات الرئيس بادين، والمطالبة من ثم بتنفيذ إجراءات تنحيته من منصبه على خلفية الملفات الثقيلة التي جرى إغفالها حتى الآن، فضلاً عن تورط ابنه في عمليات فساد سبق لترامب أن ندّد بها.

كما يشهد المجتمع الأمريكي تنامياً مطرداً في منسوب الكراهية العرقية بين مكوناته المختلفة، وتصاعداً في عمليات القتل الجماعي نتيجة لانتشار الأسلحة الفردية على نطاق واسع؛ إضافة إلى ترسّخ ظاهرة العنصرية وكراهية السود لدى أجهزة الأمن، وقد تسببت هذه الظاهرة في اضطرابات خطرة في مدن أمريكية عدة، على خلفية مقتل مواطنين من السود على أيدي الشرطة، كما حدث بعد مقتل فلويد. وتكمن أكبر مشكلة تواجه الأمن القومي الأمريكي من الداخل، في الانتشار المرعب لما يسمى بظاهرة الزومبي، فقد أشارت الدراسات إلى ارتفاع حالات الوفاة بسبب تعاطي مادة الزيلازين، حيث ارتفعت النسبة من 2 في المئة سنة 2015، إلى 31 في المئة سنة 2020، ويختلف مستوى الإدمان على هذه المادة بحسب الولايات الأمريكية.

وبموازاة هذا التدهور في مستوى التماسك المجتمعي للولايات المتحدة، بدأت تبرز في السنوات الأخيرة مؤشرات فقدان واشنطن لهيمنتها الكاملة على العالم، وهي الوضعية التي اعترف بها مؤخراً، وزير الخارجية، أنطوني بلينكن، عندما صرّح بأن الوضعية الحالية على المستوى الدولي تعني نهاية النظام العالمي الذي تأسّس بعد نهاية الحرب الباردة، بسبب التحالف بين بكين وموسكو، والذي يمثل بحسبه، تهديداً لهذه المرحلة التي ساد فيها استقرار جيوسياسي نسبي، وقد جاء هذا التصريح لبلينكن خلال محاضرة في إحدى الجامعات الأمريكية في 13 سبتمبر/ أيلول من العام الجاري.

ويشير المراقبون للشأن الأمريكي إلى أن الممارسة الديمقراطية في الولايات المتحدة بدأت تشهد أزمة هيكلية كبرى، وتشكيكاً شعبياً ونخبوياً في أسلوب إدارتها، وقد برز ذلك بشكل مأساوي بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وما تبعها من أحداث مؤسفة شهدتها أروقة البرلمان الأمريكي؛ وهناك عجز واضح لدى النخب السياسية الأمريكية في التأثير في الرأي العام بسبب ضعف الثقة المتزايد بنموذج الممارسة السياسية في البلاد، علاوة على عدم قدرة هذه النخب على خلق بدائل سياسية مقنعة؛ إذ إن المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين تتم حالياً، من خلال شخصيتين سياسيتين تنتميان إلى الحرس القديم، ولا تعبّران عن تطلعات الشباب الأمريكي.

ويمكن القول في الأخير، إن الولايات المتحدة باتت تعيش على وقع أحداث مؤسفة بالنسبة للقوة الأولى في العالم، فمجمل الأخبار تتعلق إما بمسلسل محاكمات ترامب التي لا تنتهي، والذي مثل دخوله إلى السجن أبرز حدث بالنسبة للرأي العام الأمريكي، وإما بالصراعات الإيديولوجية والقضائية والتشريعية التي لا تنتهي، والتي كان آخرها تهديد الجمهوريين بعزل الرئيس بايدن. وعليه، ومهما تكن نتيجة هذه المواجهات، فإننا بصدد معادلة أمريكية تزداد صعوبة حلها بين دولة تمتلك أسباب القوة المفرطة من جهة، وتعيش وضعاً اجتماعياً في منتهى الهشاشة والضعف، من جهة أخرى.

شاهد أيضاً

بايدن ينتظر “نعم” السّنوار ليهدي نتنياهو “النّصر الكامل”

بقلم: سميح صعب- النهار العربيالشرق اليوم– الوقت ليس مفتوحاً أمام إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن …