الرئيسية / مقالات رأي / القوقاز وآسيا الوسطى ضمن خريطة الشّرق الأوسط الكبير

القوقاز وآسيا الوسطى ضمن خريطة الشّرق الأوسط الكبير

بقلم: يوسف بدر – النهار العربي 

الشرق اليوم- عاد اسم منطقة القوقاز ضمن قائمة أهم بؤر التوتر التي تُنذر باشتعال حرب متعددة الأطراف في العالم. وإن كان الحديث ما زال يدور حالياً عن معركة تحرير مرتفعات ناغورني كاراباخ، المنطقة المتنازع عليها بين دولتي أذربيجان وأرمينيا، التي استعاد الجيش الأذربيجاني جزءاً منها في حرب 2020؛ إلا أن جهود السلام لم تنجح بعد في إعادة السلام والاستقرار بين هاتين الدولتين المتصارعتين، بسبب وقوف قوى خارجية إقليمية ودولية وراء تحريك قواعد اللعبة هناك.

إن دول الشرق الأوسط اليوم تعيد تشكيل خريطتها الجيوسياسية، بعد تحررها نسبياً من قبضة القوة الغربية، بخاصة في ظل صعود قوى شرقية ساعدتها على تحقيق حالة من التوازن في علاقاتها الخارجية. ومن ثَمّ، فإن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية تفتح الباب للصراعات الحدودية القديمة، وتهدد بإشعال الحروب.  

وحينئذ، يكون حضور القوى الإقليمية والدولية في هذه الصراعات، هو من أجل رسم خريطة تخدم مصالح هذه القوى. وبما يمنع أيضاً عدم وجود خط زمني لهذه الصراعات. ويبدو الأمر أشبه بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، بالتعديل على اتفاقية “سايكس بيكو”.

وبالنسبة إلى دول جنوب القوقاز (جورجيا، أذربيجان، أرمينيا) وموقعها على خريطة تحولات الجغرافيا السياسية، فإن مفهوم الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، خلال اجتماع قمة مجموعة الدول الثماني، في آذار (مارس) 2004، يضم هذه المنطقة إلى خريطة الشرق الأوسط؛ لأنها منطقة عبور مهمة في استراتيجية التوجه الأمريكي نحو آسيا. وكذلك هي بوابة الدخول إلى منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى التي هي ضمن خريطة الشرق الأوسط الجديد. فضلاً عن أنها ضمن مناطق الثروة الجديدة الغنية بالطاقة والمعادن ومسارات التجارة وحركة الترانزيت بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

أذربيجان الكبرى

تمثل دولة أذربيجان بالنسبة إلى تركيا امتداداً عرقياً وثقافياً ولغوياً ضمن دائرة الأمة الطورانية، فضلاً عن أن هذا البلد بوابة مهمة لعبورها نحو بحر قزوين ودول آسيا الوسطى التي تمثل عمق المشروع الطوراني. لكن هناك عقبة أمام الوصول إلى هذا العمق، وهي أن دولة أذربيجان ليست مجاورة مباشرة لحدود تركيا. فقط هناك إقليم “نختشفيان” المنفصل جغرافياً عن أذربيجان يلامس الحدود التركية. إذاً لكي تصل تركيا إلى أذربيجان فهي تحتاج إلى دخول هذا الإقليم المنفصل أولاً ثم بعده إلى إيران، وبعدها يمكن الوصول إلى أذربيجان. أو يمكنها الوصول إلى أذربيجان من خلال مسافة أبعد عبر دولة جورجيا.

ولدى تركيا استراتيجية إنشاء ممر “شرق-غرب” الذي يربط منطقتي جنوب آسيا وشرقها بمنطقة وسط آسيا وصولاً إلى أوروبا عبر تركيا. ولهذا وقعت حرب تحرير مرتفعات ناغورني كاراباخ؛ من أجل ربط إقليم “نختشفيان” المنفصل جغرافياً بالوطن الأم أذربيجان، وتجنب العبور من خلال الأراضي الإيرانية. وذلك بعد أن يتم إنشاء ممر “زنكه زور”، في مقابل أن تحصل أرمينيا على ممر “لاتشين” لكي تتمكن هي الأخرى من الوصول إلى مناطقها في منطقة ناغورني كاراباخ.

وأمام هذه الخطط المشتركة بين تركيا وأذربيجان، أبدت إيران قلقها من أي تغيير في حدود جغرافية منطقة القوقاز؛ لأن الأمر يتعلق بتهديدات أوسع من مسألة خسارة ممر تجاري؛ إذ إن ربط الحدود بين أقاليم أذربيجان يمهد لتشكيل أذربيجان الكبرى، التي يشكل قيامها خطراً على أقاليم إيران الشمالية ذات الأغلبية الآذرية والتي تنشط فيها حركات انفصالية موالية لأذربيجان وتركيا. 

ولذلك اختارت إيران الوقوف إلى جانب أرمينيا المسيحية خشية من التفوق الطوراني في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى. وأصبحت النظرة التي تقدمها حكومة طهران تجاه حكومة الرئيس إلهام علييف في باكو، أنها بدأت تخرج من حالة الحياد بين القوى المتنافسة، وأن هذه الحكومة دخلت تحت لواء تركيا والقوى الغربية التي لديها أطماع في آسيا، بخاصة أن أذربيجان دولة مهمة في مشروع إحياء القومية الطورانية بين الدول الناطقة باللغة التركية. ما دفع إيران للتصعيد العسكري وأن تهدد باستعادة أجزائها التي فقدتها وضُمّت إلى دولة أذربيجان ومنها إقليم “نختشفيان”.

استدعاء القوى

بدتْ أرمينيا في حربها مع أذربيجان وحيدة؛ إذ كانت الدولتان الداعمتان لها، روسيا وإيران، تتعاملان مع أزمتها على استحياء؛ لاعتبارات أمنية وتوازنات في العلاقات والمصالح. كما كانت القوى الغربية تتغاضى عن الدور التركي الفاعل في هذه الحرب بسبب مصالحها المرتبطة مع أنقرة التي تمثل لها رأس حربة للمصالح الغربية داخل منطقة القوقاز وآسيا. 

بل إن موقف روسيا الذي تعامل مع هذه الحرب تعاملاً براغماتياً، بصورة بدتْ فيها موسكو، وكأن لديها القدرة على إدارة مصالحها مع كلا الطرفين المتصارعين بما يحمي مصالحها؛ جعل إيران تبدو وحيدة في معركتها أمام تركيا التي تنافسها في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.

أيضاً، كان دخول باكستان ضمن معادلة القوقاز بتعاونها العسكري والتقني مع تركيا وأذربيجان وإقامتها المناورات العسكرية المشتركة؛ سبباً لاستدعاء قوى إقليمية أخرى إلى داخل منطقة القوقاز. فقد دخلتْ إسلام آباد إلى هذه المنطقة من باب تعاونها مع أنقرة في إدارة ملفات آسيا الوسطى وأفغانستان. وكذلك كانت حاجتها للطاقة الآتية من أذربيجان دافعاً مهماً لدعمها خطط تركيا، لا سيما أن باكستان المجاورة لحدود آسيا الوسطى، ترى في الممر الأذربيجاني-التركي (جزء من ممر شرق-غرب) بوابة مهمة لعبورها نحو أوروبا بعيداً من الأراضي الإيرانية. وهناك أهمية أخرى، فإن هذا الممر يعزز من فرص نجاح الممر الاقتصادي الذي يربط الصين في شمال باكستان بميناء جوادر المطل على المحيط الهندي وبحر العرب في جنوبها. 

لقد كان دخول باكستان إلى دائرة القوقاز مؤشراً خطيراً إلى صعود الدور التركي، الذي لطالما عمل على أسلمة القضايا لإدارة الصراع واستجلاب المقاتلين من الخارج. حتى أن الدعاية الإعلامية التي أدارتها تركيا وأذربيجان بعد تحرير جانب من مرتفعات ناغورني كاراباخ، بدتْ وكأنها معركة إسلامية – مسيحية، فيما البلدان تحكمهما قواعد الليبرالية والعلمانية.

هذا الدخول إلى القوقاز، أدى إلى استدعاء قوى منافسة أخرى، منها دولة الهند بصفتها منافساً لباكستان وكذلك اليونان بصفتها منافساً لتركيا. وذلك بتعاونهما العسكري مع أرمينيا، وسعياً منهما إلى التعامل مع العواقب الجيوسياسية الخطيرة لطموحات تركيا نحو القوقاز وآسيا الوسطى، إذ تم الكشف في أيلول (سبتمبر) 2022، عن توقيع الهند مع أرمينيا على توريد صواريخ وقاذفات وذخيرة إلى الجيش الأرميني بقيمة تُقدر بـ500 مليون دولار. كذلك، ارتفع مستوى التعاون العسكري بين اليونان وأرمينيا بالتوقيع على اتفاقية مشتركة خلال زيارة رئيس أركان الجيش اليوناني العاصمة يريفان في تشرين الأول (أكتوبر) 2022.

رهان على شمال جنوب

إن إيران بعدما شعرت أنها وحيدة أمام تركيا في منطقة القوقاز، راهنت على أهمية ممر شمال-جنوب لاستدعاء الهند التي يمثل لها هذا الممر بوابة مهمة نحو الشمال، حيث أسواق دول آسيا الوسطى والقوقاز وروسيا. ويمكن أن يكون ميناء تشابهار الإيراني المطل على مياه الخليج بوابة آمنة للهند للوصول إلى هذه الأسواق. وبذلك تصبح الجغرافيا السياسية لإيران مهمة لكي تصبح الهند قوة اقتصادية مؤثرة في العالم.

أيضاً، جاءت الحرب الأوكرانية التي دفعت روسيا أيضاً لتحريك تجارتها شرقاً. ومن ثمّ، أصبحت إيران منطقة عبور مهمة بالنسبة إليها، وتحول ممر شمال-جنوب إلى جسر يربط بين القارات بعيداً من سلطة العقوبات الغربية؛ حيث تقع ممرات هذا الممر وسكك حديده وموانئه داخل الحدود الروسية والإيرانية.

وبالنسبة إلى الرهان الإيراني، فإن التحول في مسار التجارة الروسية نحو الشرق، يمكن أن يدفع روسيا إلى مزيد من الاهتمام بفنائها الخلفي في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى؛ لأن النجاحات الاقتصادية لتركيا في هاتين المنطقتين من الممكن أن تشكل تهديداً جدياً لاستراتيجية المصالح الإيرانية والروسية هناك. 

كذلك يدعم هذا الممر الاقتصادي علاقات إيران داخل آسيا الوسطى، وذلك للتوازن أمام النفوذ التركي المتنامي هناك، بخاصة أن دول هذه المنطقة تطمح إلى الوصول والشراكة مع أوروبا عبر تركيا. وذلك عبر ممر شرق-غرب. 

لكن هذه الدول أيضاً تحتاج الوصول إلى منطقة الخليج والمحيط الهندي، وهذا لن يتم من دون العبور من خلال ممر إيران، بخاصة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية، فإن هذه الدول تريد تعزيز موقعها على خريطة التجارة والترانزيت كمنطقة موازية بعد تعطل الممر الشمالي الذي يمر عبر روسيا. وهذا يدفعها نحو الممر الإيراني من أجل خروجها من صفة الدول الحبيسة.

المحصّلة

إن الصراع في منطقة القوقاز لا ينتهي عند مسألة الصراع على ممرات التجارة وحركة الترانزيت؛ بل إن الأمر يتعلق بمخاوف ما بعد التحالف بين تركيا وأذربيجان وانسحاب ذلك إلى داخل منطقة آسيا الوسطى. بما يخل بتوازنات القوى على كل المستويات الاقتصادية والعسكرية.

تدخل منطقة القوقاز بموقعها كبوابة مهمة نحو آسيا الوسطى وبثرواتها الغنية بالطاقة والمعادن والزراعة، كمنطقة مهمة في تشكيل خريطة الشرق الأوسط الكبير التي رسمتها الاستراتيجية الأميركية نحو آسيا والعالم. ودخول دول هذه المنطقة إلى بؤرة اهتمام العالم يدفعها إلى تنويع علاقاتها الخارجية؛ من أجل تخلصها من صفة الدول الحبيسة. وذلك بتحركها على مسارات التجارة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

دخول قوى إقليمية متنافسة مثل باكستان والهند إلى دائرة الصراع في منطقة القوقاز؛ يُعقد من إدارة المشهد ويصعّب من عملية الحل. إذ تصبح هذه المنطقة في دائرة حسابات ومصالح هذه القوى الخارجية الساعية لإعادة تشكيل خريطة مسارات التجارة والترانزيت بما يخدم مصالحها أولاً. 

تراهن إيران على ممرها شمال- جنوب، وكذلك على سياسة روسيا بالتوجه شرقاً؛ في كسب تحالفات تساعدها على التوازن أمام تركيا في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، وأيضاً كسب موقف روسيا التي انشغلت عن فنائها الخلفي بحربها في أوكرانيا.

شاهد أيضاً

إسرائيل – لبنان: الحرب بدأت بالفعل

بقلم: علي حمادة – النهار العربي الشرق اليوم– صباح يوم أمس الثلاثاء سقطت طائرة مسيرة …