الرئيسية / الرئيسية / ستراتيجيكس.. المبارزة الكونية بين الأطلسية والأوراسية: قراءة في كتاب “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة”

ستراتيجيكس.. المبارزة الكونية بين الأطلسية والأوراسية: قراءة في كتاب “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة”

الشرق اليوم– نشر مركز “ستراتيجيكس” للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، قراءة في كتاب “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة”، ويجمع الكتاب ما بين القراءة التحليلية الاستراتيجية، والرؤية الاستشرافية المستقبلية، بالارتكاز إلى منهجية جيوسياسية حديثة ذات خلفية أوراسية واضحة من حيث المنطلقات النظرية الفلسفية النقدية، ومن حيث الاهتمام بمنظومة القيم الروسية، كما من حيث الطموح السياسي.

أدناه النص كما ورد في موقع المركز:

يعتبر كتاب “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة: عصر الإمبراطوريات الجديدة، الخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين” الذي صدر باللغة الروسية في العام 2007، وهو من تأليف الفيلسوف والمفكر الجيوسياسي الروسي المعروف ألكسندر دوغين، واحداً من أهم كتب الجغرافيا السياسية الحديثة، وذلك بحكم المكانة التي يحظى بها دوغين لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبحكم تأثير فكر دوغين في مسار السياسة الخارجية الروسية ودوره في صناعة مشاريعها الاستراتيجية.

وفي ظل تسارع أحداث الحرب الروسية الأوكرانية، وتزايد تداعياتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، فإن قراءة هذا الكتاب بما يتضمنه من أفكار واستراتيجيات تأتي في وقت يحتاج فيه القارئ العربي المهتم بقضايا الصراعات الجيوسياسية بشكل عام، والجيوسياسية الروسية بشكل خاص إلى التعمق والحصول على منظور أوسع لتلك القضايا.

يتكون الكتاب من مقدمة نظرية تأسيسية حول الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة، وأربعة أقسام تفصيلية، بالإضافة إلى الخاتمة والملاحق، حيث يناقش القسم الأول المنظومة الأنموذجية للإحداثيات (ما قبل الحداثة، والحداثة، وما بعد الحداثة)، ويتخصص القسم الثاني لنقاش التحول من منطق الأنموذج إلى منطق القارات، أو العولمة أحادية القطب في مواجهة التكامل بين الفضاءات الكبيرة، ويفصل القسم الثالث قضايا الاقتصاد الجغرافي في حقبة ما بعد الحداثة، في حين يناقش القسم الرابع والأخير الجغرافيا السياسية للمخاطر غير المتناظرة، أو حروب ما بعد الحداثة.

حرب البحر ضد البر، وخارطة “العالم الجديد”

يتناول الكتاب مجموعة من القضايا النظرية التأسيسية، حيث يطرح قضية الجغرافيا السياسية بوصفها تحليلاً للجزء الثابت من العملية التاريخية، وباعتبارها منهجاً يقوم على ثبات المكان غير المرتبط بالتقلبات التاريخية، كما يتناول بالنقد تصنيف العالم الإنجليزي “هالفورد ماكيندر” التقليدي للمقاربة الجيوسياسية الذي يقوم على ثنائية (البر والبحر)، وتصنيفات علماء آخرين للعملية التاريخية، كتصنيف “توماس كارلايل” وتصنيف “فيلفريد باريتو” وتصنيف “كارل ماركس”، وصولاً إلى “النماذج الزمانية” للعملية التاريخية التي تم تطبيقها على النظم المجتمعية، وهي: “الأنموذج التقليدي” أو “المجتمع ما قبل الحداثي”، و”الأنموذج المعاصر” أو “المجتمع الموِدرن – الحداثي”، و”المجتمع ما بعد الحداثي”. ويقابلها في المصطلحات الاقتصادية “المجتمع ما قبل الصناعي” أو “الزراعي”، و”المجتمع الصناعي”، و”المجتمع ما بعد الصناعي” أو “مجتمع المعلومات”.

موضوع “المبارزة الكونية” بين الولايات المتحدة الأميركية الأطلسية من جهة، وروسيا – وأوراسيا من جهة أخرى يحظى بمكانة مهمة في مقدمة الكتاب النظرية، حيث ما زال الهجوم الجيوسياسي الذي تشنّه حضارة البحار “الأطلسية” على حضارة اليابسة “الأوراسية” مستمراً، فيظهر بصورة منتظمة ومتتالية في محيط الاتحاد الروسي وعند أطرافه قواعد ومنشآت لوجستية ومرافق عسكرية تابعة للناتو غايتها محاصرة روسيا استراتيجياً، وما زالت هذه العملية متواصلة وتكتسب المزيد من الزخم.

من هنا تأتي أهمية الجغرافيا السياسية ومنهجها الجيوسياسي التي لا توضّح ولا تفسر تلك الأحداث والعمليات بطريقة حاسمة فحسب، بل تعمل على التنبؤ بمنطق التطور اللاحق للأحداث، مثل توقع حدوث “حرب القارات العظمى” مستقبلاً.

تحلل مقدمة الكتاب “الخطأ المفاهيمي القاتل” الذي ارتكبه كل من ميخائيل غورباتشوف وبوريس یلتسين في نهاية عهد الاتحاد السوفييتي السابق، والقائم على تحليل الوضع بصورة حصرية ضمن مفاهيم “المجابهة الأیدیولوجیة” و”التحديث”، والتجاهل بشكل كامل للحتمية الجيوسياسية للمجتمعات، إلى جانب عدم إدراك الطبيعة البرية للاتحاد السوفييتي، وهذا الخطأ القاتل ساهم في انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو ما يحذّر منه الكتاب الآن، لأنه في حال تمّ إنجاز ما بعد الحداثة من دون أخذ الجغرافيا السياسية بالحسبان، فإنها سوف تؤدي لا محالة، حتى ولو كانت ناجحة، إلى اختفاء روسيا كظاهرة تاريخية.

خلاصة مقدمة الكتاب النظرية تتمحور حول “المشروع الأطلسي في مواجهة المشروع الأوراسي”، من خلال الرجوع إلى عبارة مهمة للمفكر السياسي الأمريكي صموئيل هنتغتون، وهي تعبّر عن الميزان العام للقوى في السياسة الدولية، هي عبارة “the West against the rest” أي “الغرب ضد البقية”، وهذا يعني حسب الكتاب (الأطلسية في مواجهة الأوراسية)، أو البحر ضد البر، وهي صياغة يتم اعتمادها في عالمنا من قبل جهة واحدة فقط هي البحر، حيث ينشأ انطباع كما لو أنّ الغرب العولمي يعمل على إرساء نظام كوني على مقاسه هو بالذات، في حين أنّ البقية الباقية  تقف حجر عثرة في طريقه، وتُعرقله عن تحقيق مخططاته، على عكس الأوراسية كنهج، والتي تقترح النظر إلى الوضع من زاوية نظر “جميع الباقين”، أي بأعين (the Rest)، لذلك سوف تستمر طويلاً الحرب بين الإمبراطورية الكونية الواحدة (التي يعبّر عنها المشروع الأطلسي)، وكوكبة الإمبراطوريات الكثيرة (المشروع الأوراسي) والتي سوف تقرر جوهر العمليات السياسية الدولية.

المنظومة الأنموذجية للإحداثيات (ما قبل الحداثة، الحداثة، ما بعد الحداثة)

القسم الأول من الكتاب يتناول عملية التحديث التي سارت مع بداية القرن العشرين عبر ثلاثة مسارات، حيث بدأت ثلاث أيديولوجيات تتنافس وتطمح للتعبير عن تلك العملية، وهي أيديولوجية الحداثة أو التحديث الوطني (الفاشية ونظيراتها)، وأيديولوجية التحديث الاشتراكي (الماركسية)، وأيديولوجية التحديث الليبرالي (الرأسمالية الأنجلوساكسونية). وقد تقدمت كل منها بمسارها الخاص، وراحت تفسر على طريقتها الدافع الأولي للعصر الحدیث، كما كانت جميعها تتجه نحو تحقيق نوع من حالة ختامية للتحديث، حين تبلغ كافة عملياته أعلى مراحلها.

وبحسب الكتاب فإنّ المشروع الثالث للتحديث، وهو المشروع الليبرالي الديمقراطي، كان الوحيد الذي وصل إلى خط النهاية، وبذلك حقق الفوز بأن يرث الحداثة بأكملها، ثم بدأت بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة جديدة تالية لتنقية الحداثة من التقاليد، ولكن هذه المرة من عناصرها تلك التي توغلت في الحداثة بصورة عميقة ومستترة، وكان هذا هو الجوهر الأنموذجي للصراع الجيوسياسي والأيديولوجي بين المعسكرين السوفييتي والرأسمالي في فترة ما بعد الحرب “مرحلة الحرب الباردة”، حيث كان مجتمع ما بعد الحداثة “مجتمع المعلومات” هو الأنموذج الوحيد الذي اختتم برنامج التحديث والانتقال إلى مرحلة تالية من التطوير والتنمية بنجاح، أي أن الليبرالية بقيت وحدها بعد أن فازت في المنافسة مع النازية والشيوعية، وبعد أن نجحت أولاً في تحقيق الانتقال الناجح من الحداثة والنمط الصناعي للمجتمع إلى العصر التالي، ما بعد الصناعي، وهذا يعني انتهاء الاختلافات القائمة بين المشاريع السابقة التي كانت تسعى لأن تكون بديلة لليبرالية ومنافسة لها.

الوعي الأوروبي أو الأوروبي المركزي يمتاز “بعنصرية معرفية” ويسعى باستمرار للقيام بالمطابقة والتماهي بين ما هو “أوروبي غربي” وما هو “أوروبي” و”عالمي أو كوني”، لذلك يتم اعتماد “النهاية” الأوروبية الغربية للتاريخ على أنها “نهاية” شاملة لتاريخ البشرية جمعاء، ويتم على أساسها تطوير منظومة “عالمية” للتقييم والمعايير والقوالب، أي أن الطريق الذي سلكه الغرب من المجتمع التقليدي إلى المجتمع المعاصر، ونحو “المجتمع ما بعد المعاصر”، والذي ما زال يواصل سيره فيه، يراد اعتباره طريقاً شاملاً وصالحاً لجميع البلدان ولكل الثقافات والشعوب، وبالتالي، يجري النظر إلى تاريخ تلك الشعوب على أنه مجرد عملية “تحديث” وتغريب” فقط.

لكن من الواضح، حسب الكتاب، أنّ تاريخ المجتمعات التقليدية، وتنتمي إلى هذه الفئة حتى الآن الأغلبية الساحقة من سكان الكرة الأرضية، يقع خارج هذا الأنموذج الغربي، ويتحرك في مسار مغاير تماماً، وهذا يعني أنّ الغرب يتجاهل “تاريخ” أغلبية البشرية في بُعده الجوهري، ولا يتم التركيز سوى على أجزاء أو مقاطع منه، حيث تظهر علامات “التيلوس الأوروبي” فيها، أي “عناصر التحديث”.

بناء على ما سبق، فإنّ الحالة الروسية ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وجدت نفسها في عقد التسعينيات من القرن العشرين عند حلقة جديدة من الاستعمار، حيث كان واضحاً أن المجتمع الذي لم ينجح حتى النهاية في إجراء “عملية التحديث”، قد تلقى أوامر بضرورة تعلّم وإتقان الأنموذج الليبرالي في شكله المكرر والمصفّى، وليس الأنموذج الليبرالي العادي ببساطة، ففي روسيا لم يكن كل شيء واضحاً فيما يتعلق بالحداثة، وإذ بما بعد الحداثة تأتي على حين غرة ومن دون تمهيد، ما أدى إلى نشوء حالة ارتباك مفاهيمي جدي وخطير.

فروسيا لم تدخل إلى المعاصرة أو الحداثة بصورة فعلية حتى الآن، بل بقيت تراوح عند أعتابها، لكن ما بعد الحداثة تتيح لروسيا فرصة فريدة من نوعها، إذ يمكنها، وبعد تخطي المراحل الوسيطة، القيام بقفزة حادة ومباغتة، كما حدث في بداية القرن العشرين بطريقة مماثلة (السير إلى الشيوعية وتجاوز التشكيلة الاجتماعية للرأسمالية برمتها)، ويكمن المغزى من الاتحاد الأوراسي في تكرار تلك التجربة نفسها عند منعطف تاريخي جديد، والمفتاح إلى ذلك، هو السير في اتجاه “إمبراطورية ديمقراطية”، ديمقراطية، على غرار الاتحاد الأوروبي، ولكنها في الوقت نفسه تولي الاهتمام للمحافظة على الذاتية الجيوسياسية، وتتعامل بمنتهى الحرص مع هوية الجماعات العرقية، وسوف يكون ذلك بمثابة التفاتة أو إيماءة هي الأكثر ما بعد حداثية والتي يمكن اختراعها، وتشكل الفكرة الأوراسية في هذا الاتجاه الأمل الوحيد.

لقد انتهى عصر الحداثة، ودخلنا إلى عالم مختلف، إلى العصر الحدیث، وحقبة ما بعد الحداثة، وهذه عملية لا رجعة فيها، وما بعد الحداثة هي العولمة، والليبرالية المفرطة أو المتطرفة، هيمنة القطب الواحد، سيادة الشبكات وإلغاء لجميع أشكال الهويات التقليدية، من دول وأديان، من أمم وجماعات عرقية، وحتى الأسرة والجنس، وقد حققت ما بعد الحداثة اليوم انتصاراً تاريخياً، ولكن، وكما حصل في عصر التنوير، يمكن تنظيم مقاومة لما بعد الحداثة من خلال التمسك بالدولة الوطنية ضد العولمة، وثنائية البر والبحر الجيوسياسية ضد “الطوفان العالمي”، والمحافظة على الأسرة التقليدية والتكاثر الطبيعي، والهوية الاجتماعية ضد الانحلال الشامل والمطلق للأفراد؛ وعالَم الأشياء والأفعال في مواجهة عالم “الصور” و”التزييف على الشاشات”؛ واقتصاد حقيقي “شكل الاقتصاد القديم” ضد طغيان المال، والعالم الافتراضي، والاقتصاد الجديد.

وتكمن فرادة الفكرة الأوراسية كفلسفة سياسية في أنها تدرك فرادة الوضع المستجد بسرعة أكبر من النظريات الأخرى، ولا تكتفي بالمقاومة، بل إنها تقترح استثمار الطاقة الداخلية في مشروع جديد مع قبولها للتحّدي الذي تفرضه ما بعد الحداثة، فالفكرة الأوراسية هي ما بعد حداثية، ولكن مع محتوى مختلف بشكل جذري.

التحول من منطق الأنموذج إلى منطق القارات

القسم الثاني من الكتاب مكرّس لمناقشة فكرة العولمة أحادية القطب في مواجهة التكامل بين الفضاءات الكبيرة، وتحليل مفهوم “العولمة” سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، حيث تعني على المستوى الاستراتيجي بسط سيطرة مباشرة من قبل القوات المسلحة للولايات المتحدة الأمريكية وشركائها في عملية العولمة على كامل الفضاء الكوني، مقترحاً مشروعاً بديلاً لتلك العولمة، هو العولمة المرتقبة أو المحتملَة أو “الإنسانية”، وهو مشروع نظري بحت ينتشر في الدوائر الإنسانية في البلدان المتطورة، وهو مشروع يقوم على تطوير للحوار بين الثقافات والحضارات بعد انتهاء الصدام في عالم ثنائي القطب.

في الحالة الروسية يدعو الكتاب روسيا لتحديد موقفها من تلك العولمة التي تقوم بالفعل على أرض الواقع، أي تجاه العولمة أحادية القطب من النمط الأول، لأن انخراط روسيا في هذه العملية سوف يؤدي على المدى الطويل إلى اندثار روسيا وغيابها كبلاد عظيمة وباعتبارها نواة لحضارة أرثوذكسية خاصة، كما يحلل حالة العداء لأمريكا في روسيا المعاصرة، حيث يعتبر هذا العداء في معناه العميق خلاصة مختصرة للتاريخ الروسي القومي: الكنسي والحكومي، الثقافي والإبداعي، الاجتماعي، وفي الحقبتين القيصرية والسوفييتية، وهو عداء ذو أبعاد جيوسياسية، واقتصادية عميقة.

ولأن مشروع “الإمبراطورية الأمريكية” غير مقبول بالنسبة إلى روسيا على الإطلاق، يمكن لروسيا إما أن تنضم إلى مشروع أممي أو عابر للقوميات قائم ونشط، أو أن تعزل نفسها بقوة ضمن حدود دولة -أمة، أو أن تبذل جهوداً جبارة وأن تقترح مشروعًا خاصاً بها قادراً على المنافسة على خلفية نماذج/ مشاريع فوق وطنية أخرى، مثل مشروع إمبراطورية أمريكية عالمية، والمشروع الأوروبي، والمشروع الإسلامي، ومشروع الصين العظيمة من تايوان حتى الأورال.

ويجب الاعتراف، حسب الكتاب، بأنه لا يوجد مكان خاص بروسيا في تلك “المشاريع الكبرى”، لكن ذلك لا يعني أن روسيا محكومة بالعداء مع كل “الأفكار أو المشاريع الكبيرة” في القرن الحادي والعشرين، والأدق هو القول بأن روسيا محرومة في هذه الحالة من وجود “صديق مطلق”، أي من ذلك المشروع الذي يتفق بالكامل مع مصالحها الوطنية، وفي الوقت نفسه لديها على الأرجح “عدو مطلق” هو الولايات المتحدة الأميركية والإمبريالية الأميركية الجديدة التي تعمل على تحقيق مشروعها على حساب روسيا في كل الأحوال، وإذا ما اختارت روسيا اللعب لمصلحة عالم متعدد الأقطاب، فإنها تحصل على وضع خاص بها وعلى مكانتها المشروعة في خارطة القوى العالمية، وانطلاقًا من مثل هكذا افتراض، تنشأ بطريقة تلقائية منظومة “محاور الصداقة” التي تتشكل من روسيا – أوروبا، روسيا – العالم الإسلامي، روسيا – الصين.

ولضمان نجاح روسيا في بناء “محور صداقة” ليقوم بدور هيكل من أجل عالم متعدد الأقطاب، ينبغي عليها أن تجمع في عقيدتها الوطنية بين مبدأ الانفتاح النسبي ومبدأ الانغلاق النسبي، كما أن الفكرة الأوراسية تمنح روسيا فرصة أن تقدم نفسها لا كقلعة للنضال ضد العولمة والنظام العالمي أحادي القطب ببساطة، ولا كقوة رائدة وطليعية على طريق التعددية القطبية فحسب، بل وكحامل للرسالة الكونية ولمذهب “القارية”، كثقافة مميزة وخاصة تجمع بين ملامح الغرب والشرق وتوحد بينهما.

الاقتصاد الجغرافي في حقبة ما بعد الحداثة

موضوع القسم الثالث من الكتاب هو قضية الاقتصاد الجغرافي في حقبة ما بعد الحداثة، حيث يحلل العلاقة بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد، انطلاقاً من نقد اختيار الأنموذج الاقتصادي الذي تمت صياغته بطريقة غير صحيحة في مرحلة البيروسترويكا في الاتحاد السوفييتي السابق، وبوصفه أحد الأخطاء الكارثية لتلك المرحلة، طارحاً خيار “الطريق الثالث” في الاقتصاد، وهو طريق لا يعتبر حلاً وسطًا بسيطاً بين الليبرالية والماركسية، أو حلقة انتقالية أو وسيطة أو خياراً وسطياً، بل إنه يقوم على أسس فلسفية وعلمية ووجهات نظر عالمية مختلفة تماماً، ومكتفية بذاتها باعتبارها شيئاً ما مستقلاً ومنجزاً بصورة نهائية.

الطريق الثالث في الاقتصاد أو التفكير الاقتصادي الأوراسي يمكن صياغة فرضيته الأساسية حسب الكتاب على النحو التالي: “يجب النظر إلى أي وضع اقتصادي على أنه ذو طبيعة دورية، وليس على أنه متطور باطّراد وبطريقة منتظمة على الإطلاق، ولكي يتم تقويم الحالة الاقتصادية لا بد من وضعها في سياقها التاريخي والثقافي والجغرافي، وأيضاً الوطني والديني، وهذه السياقات بالتحديد هي التي تساعدنا لأن نعرف مع أي دورة وأي مرحلة نحن نتعامل، وما الذي يجب علينا أن نعتبره معياراً، وكيف يمكننا أن ندعم هذا المعيار، حالة مأخوذة على حدة”.

تبرير الكتاب للفرضية السابقة يتأسس نظراً لاستخدام مقاييس عالمية أحادية الاتجاه مع كل حالة اقتصادية، وهي المقاييس التي تغفل الجوانب النوعية، وعندئذ يمكن لأفعالنا أن تقود إلى تكاليف لا يمكن تعويضها وغير مبررة، فقد أدت وصفات صندوق النقد الدولي التي تم تطبيقها على اقتصاد الصومال القديم مثلاً، إلى انهيار كامل للاقتصاد هناك، وذلك على الرغم من الضخ المالي والقروض، وهذا ما جعل البلاد التي كانت تصدّر منتوجات غذائية حتى وقت غير بعيد تصبح تحت خط الفقر وتعيش حالة مجاعة عامة.

وفي هذا السياق، ثمة موقف متمايز للنظرية الاقتصادية الأوراسية تجاه الثلاث الموجودة في روسيا الحديثة، حيث لا يمثّل التحديث هدفاً في حدّ ذاته بالنسبة إلى الأوراسيين، بل إن التحديث هو حاجة وضرورة إيجابية في بعض الحالات، ولكنها ضارة ومدمرة في حالات أخرى، لذلك يمكن للنماذج الاقتصادية الثلاثة: قبل الصناعي “المجتمع التقليدي”، والصناعي وما بعد الصناعي، أن توجد مع بعضها في آن، وضمن قطاع جغرافي واحد، وهذا يتطلب توفّر تمايز واضح ودقيق: تحتاج روسيا لما بعد حداثة أوراسية (المكون ما بعد الصناعي لها)، وللحداثة الأوراسية (المكوّن الصناعي)، ولما قبل الحداثة الأوراسية (المكوّن قبل الصناعي).

الجغرافيا السياسية للمخاطر غير المتناظرة

القسم الرابع والأخير يناقش قضايا الجغرافيا السياسية للمخاطر غير المتناظرة، أو حروب ما بعد الحداثة، حيث يحلل ظاهرة الإرهاب بوصفها طريقة أو أسلوب للفعل السياسي الذي تتصف به تلك المجموعات والقطاعات من الطيف السياسي (القومي والديني) التي تكون عاجزة لأسباب معينة عن تحقيق أهدافها الخاصة (أو أن تعبِّر عن نفسها ببساطة، وأن تعلن عن وجهة نظرها في المدى المرغوب)، وذلك من خلال العمل خارج نطاق القانون، وشرط ظهور الإرهاب يكمن في وجود فراغ أو فجوة معينة بين القيود الجدية في الميدان الاجتماعي السياسي والتساهل النسبي للنظام الأمني، ما يجعل المجتمعات ذات البناء الليبرالي الديمقراطي ملائمة بشكل مثالي لنشوء هذه الظاهرة.

يستخدم الكتاب مصطلح “الإرهاب الجيوسياسي” الذي تم توظيفه في الحرب الباردة سابقاً، واستمر توظيفه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو بأدوات وأشكال جديدة، ومن بين تلك الأدوات الجيوسياسية تبرز الأصولية الإسلامية أو الإسلاموية التي استخدمها الغرب لمواجهة الأنظمة الموالية للاتحاد السوفييتي في العالم الإسلامي، أو لتلك الأشكال من الإسلام المسيّس التي ترتكز على المذاهب التقليدية والشيعية السياسية، والتي بذلت جهدها من أجل الدفاع عن بعض الاستقلالية عن الغرب وعن الشرق الاشتراكي، والأشكال المتطرفة للإسلاموية المعاصرة تقوم على أساس الاتجاه الجيوسياسي الأطلسي، وبالتالي، يكون هذا التيار من الإرهاب مجرد مشتق جيني للأطلسي، ومن هنا يستنتج الكتاب أن بنية الشبكة الإرهابية للإسلاموية تعود بجذورها إلى أجهزة الاستخبارات الغربية.

يناقش الكتاب كذلك ظاهرة الإرهاب في الفضاء الإعلامي، ودور وسائل الإعلام الجماهيري كأداة في الاستراتيجية المضادة للإرهاب، حيث لا تستطيع وسائل الإعلام الجماهيري، نظراً إلى ما للعملية الإرهابية من مغزى إعلامي، أن تبقى محايدة وأن تقوم بدور المراقب عن بُعد للنزال القائم بين منظومة إرهابية وبنية مضادة للإرهاب، وبحكم أن وسائل الإعلام الجماهيري تقف إلى جانب الأغلبية، وفي صف المجتمع، فمن المفروض بها أن تأخذ موقفًا واضحاً لا لبس فيه إلى جانب الجبهة المعادية للإرهاب، وفي الوقت نفسه هذا لا يعني القيام بمهمات خدمية لدى أجهزة الأمن أو غيرها من المؤسسات التي تعمل بشكل احترافي من أجل مكافحة الإرهاب ومنع حدوث أعمال إرهابية ، لأن دور ووظيفة وسائل الإعلام الجماهيري في المجتمع المعلوماتي شأن جدي ومهم، حيث إنه لا يجوز لها أن تتحول إلى مجرد ساعي بريد لهذا الموقف أو ذاك. 

وكخلاصة؛ يجمع كتاب “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة” لكاتبه ألكسندر دوغين، ما بين القراءة التحليلية الاستراتيجية من جهة، والرؤية الاستشرافية المستقبلية من جهة أخرى، بالارتكاز إلى منهجية جيوسياسية حديثة ذات خلفية أوراسية واضحة من حيث المنطلقات النظرية الفلسفية النقدية، ومن حيث الاهتمام بمنظومة القيم الروسية، كما من حيث الطموح السياسي.

وهذه القراءة المكثفة لأهم الأفكار الواردة في الكتاب لا تغني بحال عن قراءة الكتاب قراءة متأنية، وربط الكثير من الأفكار الواردة فيه بسياسات روسيا الاستراتيجية على الأرض، وبالتالي المساهمة في تحليل تلك السياسات بشكل أكثر عمقاُ، واستقراء احتمالات تطورها في المستقبل المنظور.

شاهد أيضاً

ستراتيجيكس.. التهديدات اللامتماثلة: دراسة في تحولات استراتيجيات الردع التقليدية

بقلم: د. بهاء السعبري و د. فراس الربيعي  الشرق اليوم- نشر مركز “ستراتيجيكس” للدراسات والأبحاث …