الرئيسية / الرئيسية / ستراتيجيكس.. نظرة معمقة في خطاب الرئيس الصيني في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي

ستراتيجيكس.. نظرة معمقة في خطاب الرئيس الصيني في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي

الشرق اليوم– نشر مركز “ستراتيجيكس” للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، تحليل سياسات، يقدم قراءة في خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي افتتح به المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي عبر أربعة أبعاد: السياسات المحلية والبعدين العسكري والأمني والسياسة الخارجية. ويناقش فرضية اعتبار المؤتمر نقطة تحول جزئية تتجه بعده بكين للتنمية المحلية وتحيّد ما أمكن من تنافراتها الدولية مع واشنطن.

أدناه نص الورقة التحليلية كما ورد في موقع المركز:

ابتدأت أعمال المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي في 16 أكتوبر 2022 وسيمتد حتى 22 من الشهر ذاته، ويكتسب المؤتمر الذي يعقد كل خمس أعوام أهميته من حيث القرارات التي تصدر عنه، كانتخاب أمين عام الحزب الذي بدوره يكون رئيس البلاد.

وأيضاً يحدد المؤتمر الذي يشارك فيه 2300 من قيادات الحزب الخطوط الاستراتيجية العامة للدولة للخمس سنوات القادمة ضمن تصور شمولي يراعي خطط الصين متوسطة المدى 2035 وبعيدة المدى 2049، وهو العام الذي ستحتفي فيه الصين بمئويتها.

وسيتم في المؤتمر كذلك انتخاب أعضاء اللجنة المركزية للحزب المكونة من 204 أعضاء يحق لهم التصويت و170 بديل، وستنتخب اللجنة 25 شخصية لعضوية المكتب السياسي، ليتم تعيين 7 شخصيات منهم في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي.

وتعكس الهرمية الواسعة للحزب الممتد في مختلف الأقاليم والمجالات تعقد صناعة القرار في الحزب الذي يعمل كعقل مفكر للدولة ككل. وفي عهد الرئيس الحالي، شي جين بينغ، تقلصت الحواجز بين الدولة والحزب إلى مستوى أصبح فيه بيروقراط الحزب ناظماً لبيروقراط الدولة ومسيراً لأعمالها، وهذا ما أكد عليه الرئيس الصيني في خطاب افتتاح المؤتمر من أن “التحديث الصيني هو التحديث الاشتراكي تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني”.

ويدلل عدد أعضاء الحزب المقدر بـ96.7 مليون، على درجة تغلغل الحزب في البنية المجتمعية والثقافية للبلاد، فربما هو الحزب الأكبر عالمياً من حيث عدد المنتسبين له نسبة لعدد سكان الدولة بواقع 6.9%.

ومنذ أن بدأت الصين تمارس سياسة خارجية تؤكد بها ذاتها “Assertiveness Policy” أصبحت أعمال المؤتمر العلنية محط أنظار المراقبين الساعين للاطلاع على مجمل توجهات الحزب الذي يحيط نفسه بجدار من السرية.

وبالتالي يمثّل المؤتمر فرصة نادرة لكشف ماذا يدور داخل عقل الدولة الصينية، وليس مستغرباً أن تكون كل قراراته ونقاشاته وخطاباته في دائرة التقييم، لا سيما خطاب بينغ الذي افتتح به اجتماعات المؤتمر، والتقرير التالي سيتناول أهم ملامح هذا الخطاب.

التحديث الشامل للاشتراكية كأولوية

يعتبر خطاب بينغ الذي استغرق 100 دقيقة كشف حساب داخلي لعقد من حكمه شهدت فيه البلاد طفرة اقتصادية وإعلان التخلص من الفقر، وظهور الصين على الساحة الدولية كلاعب يمتلك الشخصية الفريدة عن غيره من الفاعلين الدوليين.

وسيجري في المؤتمر حدث غير مسبوق منذ عهد الرئيس الصيني المؤسس ماو تسي تونغ، حيث سينتخب الرئيس الحالي لولاية ثالثة بعد أن اُدخل تعديل دستوري عام 2018 يلغي تحديد الفترات الرئاسية الذي استنه الرئيس دينغ شياو بينغ في الدستور عام 1982 ضمن سعيه للتخلص من هالة الزعامة الفردية التي وضعها تونغ حول منصب الرئيس.

وتنشر وسائل إعلام غربية بصفة دورية مقالات وتقارير تدعي نوع من التململ الداخلي لتركيز بينغ السلطة بيده، تُشير في غالبيتها على استياء كامن داخل نخبة الحزب، حيث تقبلت الصين منذ عقود سيطرة الحزب الواحد، لكن سيطرة الرجل الواحد تُشعرها بالاستياء.

لكن ما يعزز من موقع بينغ للتغلب على الانتقادات الحزبية تموضعه خارج أجنحة وتيارات الحزب الذي يُقسم إلى تيارين رئيسيين:

الأول: يساري متمسك بالماركسية التقليدية القائمة على ملكية الدولة الكاملة لوسائل الإنتاج وتقديم الدولة الخدمات الأساسية للمواطنين بعيداً عن القطاع الخاص، والحرص على عدم بروز التباينات الطبقية داخل البلاد فهم لا يزالون يعتنقون فكرة حتمية الصراع الطبقي عبر الثورة العنيفة.

الثاني: وسطي إصلاحي يطمح إلى التمدد في بيروقراطية الحزب والدولة لإنجاز الخطط التنموية الضامنة لاستمرارية حكم الحزب للبلاد.

ويؤكد خطاب بينغ في افتتاح المؤتمر – وكذلك سياسته في العقد الماضي – على دمجه بين التيارين، فهو يساري من حيث نشر الثقافة الشيوعية والاعتزاز بها، ووسطي من حيث تبني إعداد وتطبيق الخطط التنموية.

وأدناه تعليق موجز على الملامح الرئيسية للخطاب:

أولاً: بعد السياسات المحلية

يشيع في الخطاب مشاعر الاعتزاز القومي بمبادئ الحضارة الكونفوشية -وإن لم يذكرها بينغ صراحةً – الداعية إلى السلام والتعاون الإيجابي ونبذ العنف. في الوقت ذاته يظهر الخطاب “نزعة” واثقة للدفاع عن السلام الصيني ولإنفاذ خطط البلاد بعيداً عن أي تدخلات أو انتهاكات.

وركز الخطاب كثيراً على مبدأ “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” وفي ضرورة الاستمرار بتحديثها وعصرنتها التي يعدها بينغ مكسباً ليس فقط للصين وإنما للعالم ككل، في دعوةٍ منه إلى “استيراد” نموذج الحكم الصيني.

ويُنظر لـ”الاشتراكية ذات الخصائص الصينية” على أنها شكل مخفف من الرأسمالية التي تحافظ فيها الدولة على دورها في العملية الإنتاجية والاقتصاد، مع منح مستوى محدد من الحريات الاقتصادية للأفراد لدفع عجلة الابتكار قدماً، والأهم من ذلك الانخراط الواسع في التجارة العالمية وفق القواعد الرأسمالية الناظمة.

وهنا ينبغي التساؤل عن قدرة الدولة الصينية في استمرارية تأقلمها مع نقيضين: سياسات داخلية اشتراكية بثقافة شيوعية وسياسات اقتصادية خارجية رأسمالية.

في الواقع من الصعوبة بمكان افتراض ديمومة هذا الوضع، لأن الرأسمالية الاقتصادية بطبيعتها تحمل في طياتها بذور لأزمات ومشاكل يصعب حلها عبر الشيوعية السياسية، وللآن لم تواجه الصين أزمة واسعة النطاق من تبعات رأسماليتها الناشئة التي تجسدها مظاهر الانفتاح الاقتصادي والسوق الحر وانتشار الشركات التكنولوجية التي صنعت طبقة من الأثرياء تضاهي حي السيليكون فالي في كاليفورنيا الذي يضم مقرات كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية.

وهذه الطبقة في الصين وعيها يختلف عن العامة وتشكل نواة صلبة لليبراليين سياسياً، ولأن شيوعية السياسة والثقافة لا تستوعب رأسمالية الشركات والاقتصاد، من المحتمل أن يتصادما -الشيوعية والرأسمالية – على وقع مطالب بتوسيع النطاق السياسي المسموح وعدم حصر التمثيل وصناعة القرار في الدولة عبر الحزب ولجانه.

ومن هذا المنظور يمكن فهم دلالات ما قصده بينغ بـ “إكمال وتحسين نظام توزيع الدخل” فاختلالات الدخل المرافقة حكماً للرأسمالية بدأت بالظهور، كما ربط الخطاب تحسين توزيع الدخل مباشرةً مع “التغلغل بين صفوف الجماهير والنزول إلى الوحدات القاعدية” ذلك أن هذه الوحدات هي عادةً الأبعد عن التمثيل سياسياً، والأضعف حماية اجتماعياً، وإذا ما كانت تشعر بانخفاض العدالة الاجتماعية وفجوة الثروة، فيجب عندها التعويض عبر الأيديولوجيا ورفع الإحساس بالتمثيل السياسي حتى لو كان هذا الإحساس مزيفاً.

ولأن الرئيس الصيني لا يريد لهذا الإحساس أن يكون مزيفاً، فإنه دائماً يستذكر الإنجازات في خطاباته، كخطاب افتتاح المؤتمر الذي خاطب به الشعب بما يلي:

1- على الصعيد الاقتصادي؛ ارتفع الناتج الإجمالي المحلي للبلاد خلال عقد حكمه بواقع 16 ترليون دولار أمريكي، وتوسعت نسبة حجمه في الاقتصاد العالمي إلى 18.5% بزيادة قدرها 7.2%، واحتلت المرتبة الثانية عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

وشدد بينغ على ضرورة التعزيز المتبادل بين الدورتين الاقتصاديتين المحلية والدولية، وتعهّد بضمان أمن الغذاء والطاقة وسلاسل الصناعة والتوريد.

 وفي هذا التوقيت أصبحت هذه العناصر حيوية للأمن القومي لأي دولة بعد صدمتين عالميتين ضاغطتين: تفشي وباء كورونا، والأزمة الأوكرانية الروسية.

2- على صعيد مظاهر بصمته الشخصية في نموذج حكم البلاد؛ قال بينغ إن الحزب “حقق انتصاراً ساحقاً ووطد مكاسبه بشكل كامل في معركته ضد الفساد” معتبراً أن المخاطر الكامنة الخطيرة داخل الحزب والدولة والجيش تمت إزالتها، وخاطب أحاسيس الشعب بقوله إن الحزب ناضلَ بعزيمة لإغضاب الآلاف -يقصد الفاسدين- ولتحقيق أمل 1.4 مليار نسمة.

ويتّهم بعض المراقبين -والمنشقين سياسياً- أن حملات مكافحة الفساد مسيّسة وموجهة وتحمل طابعاً انتقائياً يتصل بالسلطة السياسية.

ورد بينغ في خطابه بصورة مبطنة على هذه الادعاءات بتأكيده على أن “حكم الدولة وفقاً للقانون على نحو شامل يعد ثورة عميقة لحكم الدولة، ويتعلق بأعمال حزبنا في ممارسة الحكم والنهوض بالبلاد”.

3- على صعيد حماية البيئة؛ دعا بينغ إلى تعزيز العمل بمبادرة الصين الجميلة، وحماية المياه والتضاريس الطبيعية، مؤكداً أن التكيف مع الطبيعة ضرورة للانتقال إلى الاشتراكية الحديثة.

وكشف بينغ عن إجراء “تخطيط شامل لتعديل الهيكل الصناعي ومعالجة التلوث وحماية البيئة ومواجهة تغير المناخ”. وهذا الطرح البيئي يتفق مع نهج غربي للنمو المستدام، يوازن بين الاستفادة من الثروات الطبيعية وحفظ حق الأجيال القادمة منها، وحمل الخطاب رد غير مباشر على انتقادات دولية توجه للصين على خلفية عدم التزامها بسياسات بيئية عالمية موحدة، لا سيما عندما قال بينغ أن الصين ستعمل “بنشاط وحكمة” للوصول إلى الحياد الكربوني.

4- على صعيد السياسات الطبية؛ تعهد بينغ بإكمال منظومة الصحة العامة ورفع قدرات مواجهة الأوبئة من حيث الاكتشاف المبكر والاستجابة لها. ولا تزال الصين تتعامل مع انتقادات دولية موجهة لها على خلفية تعاملها الأولي مع لحظة التفشي الأولى لوباء كورونا ورصدها المبكر له واستراتيجية السيطرة عليه.

في المقابل يعتبر الحزب الشيوعي الصيني أن إدارة الصين لأزمة كورونا تعتبر مثال نموذجي لاستجابة الدول للمخاطر المستجدة، حيث تناغمت أجهزة الدولة وفق نظام صارم مراقب بتقنيات ذكية لحصر الوباء في أضيق نطاق، إذ انفردت الصين في اتباع استراتيجية “صفر كوفيد” حتى الآن، فرغم تسجيلها معدلات تطعيم مرتفعة إلا أنها لا تزال تطبق إغلاقات مشددة في نطاقات جغرافية تسجل فيها حالات.

كمدينة شنغهاي أكبر مدن السكان سكاناً ومركز الصين الاقتصادي، وواجهت سياسات الحكومة الاحترازية فيها انتقادات علنية مبطنة ترى أن المبالغة في الإغلاقات غير مبررة لتداعياتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، لا سيما وأن درجة الخطورة انخفضت بتراجع شدة المتحورات الجديدة ومعدلات التطعيم المرتفعة.

ويدرك بينغ تماماً هذه الانتقادات، ورد عليها بالإشادة بسياسات الحزب الرامية للقضاء على الجائحة بما فيها من قيود مجتمعية و”صفر كوفيد”.  

ثانياً: البعد العسكري

بصفته رئيس اللجنة العسكرية المركزية في الحزب الذي يكون حكماً القائد الأعلى للقوات المسلحة، وضع بينغ بصمته الاستراتيجية على عمل القوات المسلحة الصينية عبر خطط التحديث العسكري الطامحة إلى رفع كفاءتها العملياتية ليكون جيشاً من الدرجة الأولى.

وأكد بينغ في خطابه على أن “تسريع بناء الجيش الشعبي ليصبح جيشاً من الدرجة الأولى في العالم من المتطلبات الإستراتيجية لبناء دولة اشتراكية حديثة على نحو شامل”. ووضع المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الذي عُقد في أكتوبر 2017 خارطةَ طريق لرؤية عسكرية تطمح إلى تحديث كامل القدرات العسكرية “Fully Modernized Power” بحلول عام 2035، وعلى المدى البعيد بحلول عام 2050 وصول الجيش الصيني إلى مستوى القمة “Top-Tier” بحسب المفردات التي وردت في اجتماعات الحزب، ودون التطرق صراحةً إلى هدف حيازة المرتبة الأولى عالمياً، فالمفردات كانت فضفاضة.

بيروقراطياً، كما في ثنائية الحزب والحكومة، ثمة ثنائية اللجنة العسكرية الحزبية والقيادة العامة العسكرية، وفي كلتا الحالتين اليد العليا لتوجيهات الحزب حسب الدستور والعرف، فسيطرة الحزب المدنية تمتد إلى البعد العسكري فيما يتعارف عليه “الحزب يقود البندقية”.

وهذا يفسر ما قصده بينغ في قوله إن “الصين ستعزز بناء الحزب في الجيش الشعبي على نحو شامل، لضمان إطاعة الجيش لتوجيهات الحزب إلى الأبد”، وبمعنى أكثر وضوحاً الحرص على تشبع عديد الجيش الضخم للأيديولوجيا الشيوعية لمنع أي انشقاقات أو عصيان للأوامر السياسية الصادرة من الحزب.

وبغض النظر عما يُقال من سيطرة الحزب على الجيش، فإن خطط التحديث العسكري التي أشرف عليها بينغ تعد مكسباً لقدرات الجيش، وتقع هذه الخطط في دائرة رصد وتقييم الدوائر البحثية الدفاعية في واشنطن، كمؤسسة راند التي تفرد مساحة دائمة للملف الصيني.

وفي أحد الكتب الصادرة عن راند عام 2020 والمعنون بـ”استراتيجية الصين العظمى: الاتجاهات، المنحنيات، والمنافسة على المدى البعيد”؛ استشرفت المؤسسة أربعة سيناريوهات للقوة القومية الصينية عام 2050، وهي: الظفر (الريادة العالمية)، والصعود (تعزيز قدراتها الحالية)، والركود، والانهيار الداخلي.

واستبعد الكتاب السيناريوهات القصوى المتمثلة في الظفر والانهيار، ورجّح تذبذبها بين الصعود والركود.

ولكن اللافت في الكتاب تحذيره من جدية التحديث العسكري الصيني وأنه في العقد الحالي سيكون للجيش الصيني قدرات عسكرية متكاملة قادرة على منازعة كل مجالات الحرب على امتداد رقعة الإقليم الواسع. ولذلك يوصي راند الجيشَ الأمريكي وحلفائه بالاستعداد للانتشار الآني استجابةً لأي أزمات.

ثالثاً: البعد الأمني

اختزل بينغ فلسفته الأمنية بقوله “ينبغي للحزب التمسك باعتبار سلامة الشعب هدفاً، والأمن السياسي أساساً، والأمن الاقتصادي قاعدة، والأمن العسكري والعلمي والتكنولوجي والثقافي والاجتماعي ضماناً، وتعزيز الأمن الدولي سنداً”.

وعلى امتداد خطابه يمكن القول إن بينغ يعتبر التنمية الشاملة مرتبطة عضوياً مع الأمن الجديد، فمنظور الصين الأمني يتمحور حول الأمن القومي بمعناه الشامل متعدد الأبعاد والمستويات كأساس لنهضة الأمة.

ودعا بينغ إلى تحديث نظام الأمن القومي دون أن يحدد الخطوط العامة لهذا التحديث وما إذا كان قانون الأمن القومي المُصادق عليه مطلع يوليو 2015 سيتم تعديله، وكان واضحاً أن القانون موجه بالدرجة الأولى لتجريم النزعات الانفصالية والأعمال “التخريبية والإرهابية” والتواطؤ مع قوى أجنبية، في إشارة حادة إلى بعض المقاطعات كـ تايوان وهونغ كونغ وماكاو.

 كما أكد القانون النهجَ الدفاعي الذي تستند عليه السياسة الخارجية من حيث احترام السيادة وعدم التدخل في شؤونها وشؤون غيرها من الدول.

رابعاً: بعد السياسة الخارجية

تنظر الصين إلى القضية التايوانية على أنها قضية محلية رافضةً أي تدخل خارجي فيما تعتبره القضية الأساس لسياستها الخارجية، وفي الأشهر الماضية كانت الجزيرة محط لسجال غربي صيني بلغ ذروته بزيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، لتايوان في أغسطس 2022، وبتصريح وزارة الدفاع الصينية “النادر” بأن الزيارة ستتلى برد “عسكري” محذرةً من ” إغراق تايوان في كارثة عميقة وإلحاق أضرار جسيمة بسكان الجزيرة”، واستعرض تقدير موقف نشره ستراتجيكس الأوجه المحتملة لهذا الرد.

تلى الزيارة إصدار مكتب شؤون تايوان التابع للحكومة وثيقة أساسية صُنفت ككتاب أبيض هو الأول حول تايوان منذ عام 2000 بحسب وكالة رويترز جاء فيه “سوف نبذل قصارى جهودنا لتحقيق إعادة التوحيد السلمي. ولكننا لن نتخلى عن استخدام القوة وسوف نحتفظ بخيار اتخاذ كل الإجراءات الضرورية”.

وأعاد بينغ في خطابه تمسّكه بمبدأ “دولة واحدة ونظامان” داعياً إلى تحسينه دون أن يوضح الكيفية والآليات، مكرراً إمكانية اللجوء إلى القوة لإعادة التوحيد واستهداف القوى الخارجية ومن أسماهم “الأقلية الضئيلة من الانفصاليين”.

وهذا المزج بين السلمية والقوة يشي بأن الصين تتبع الآن الغموض الاستراتيجي تجاه تايوان تماماً كالولايات المتحدة التي اعترفت ببكين ممثل شرعي للصين على حساب تايوان أواخر السبعينات، ولكنها تعهدت في الوقت عينه بإسناد الجزيرة بما يلزم للحفاظ على وضعها الخاص المستقل إدارياً وعلى مبدأ “دولة واحدة ونظامان”.

ويجري المؤتمر الحزبي في بيئة دولية عنيفة كثُر معها الحديث والتنظير عن بزوع عالم متعدد الأقطاب وانتهاء الأحادية القطبية، ولكن خلى خطاب بينغ من أي تفصيل حول النظام الدولي أو أزماته الكبرى، كالأزمة الأوكرانية الروسية، أو الهياكل الأمنية المدارة أمريكياً في منطقة الاندو-باسيفيك.

واكتفى بينغ بالرد غير المباشر على الاتهامات والتكهنات المشككة بمستقبل سلوك السياسة الخارجية الصينية، مؤكداً أن بلاده “لن تسعى وراء الهيمنة أبداً، ولن تنخرط في التوسع الخارجي أبداً” وأنها ستواصل بثبات استقلالية سياستها الخارجية في إشارة إلى حفاظها على مسافة بعيداً عن السياسة الخارجية الروسية وعدم تساوقها مع انخراط موسكو العسكري في أوكرانيا.

وصحيح أن مبادئ السياسة الخارجية الصينية -احترام السيادة وعدم التدخل واحترام القواعد الأساسية للعلاقات الدولية- لا تزال سارية المفعول لتفسير وفهم التوجهات الخارجية الصينية، ولكن جنوح الصين نحو تصليب مواقفها الخارجية قد يقلّص القدرة على التنبؤ بنشاطها وقراراتها، فهذه المبادئ خاضعة للتحول والتغيير.

وحتى أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية يمكن أن تتطور، فمن الملاحظ أن بكين في عهد بينغ تنظر إلى الابتكار والتكنولوجيا من منظور جيوستراتيجي يتصل بانتزاع السبق والريادة والتنافس الدولي.

وأفرد الخطاب مساحة واسعة للتكنولوجيا والعلوم، وأكّد “العزم على كسب المعركة المتعلقة بالتقنيات الحاسمة والمحورية”، فمن المتفق عليه أن اكتساب التفوق الحصري عالمياً في التكنولوجيا الفائقة يعطي ميزة للسيطرة الناعمة على مفاصل النظام الدولي، وميزة أيضاً للحسم العسكري عبر التكنولوجيا العسكرية.

وكانت شركة “Huawei” جزء من حرب الرسوم بين بكين وواشنطن في عهد ترامب. إذ واجهت الشركة اتهامات غربية على خلفية تدخل الحكومة – تحديداً الجيش الصيني- في إدارتها وملكيتها والاطلاع على بيانات المستخدمين وانتهاك قواعد الخصوصية والسرية المعمول بها في الغرب وعموم الدول.

وتطرّق الخطاب إلى التحديث الصناعي لضمان المزايا التنافسية عالمياً، وإلى إحراز نتائج مهمة في “مجالات طيران الفضاء المأهول، وسبر القمر والمريخ، واستكشاف أعماق البحار والأرض، والحاسوب العملاق فائق السرعة، والملاحة بالأقمار الصناعية، والمعلومات الكمومية، والتقنيات الكهرونووية، وصنع طائرات الركاب الضخمة والطب والأدوية الأحيائية وغيرها”.

كل ذلك يأتي ضمن ما أطلق عليه بينغ استراتيجية “التنمية المدفوعة بالابتكار” الهادفة إلى تعزيز الاستقلالية والاكتفاء الذاتي. 

نقطة تحول محتملة؟

أمعن الخطاب في المحاور المحلية التنموية والأمنية، ولم يفصّل في التنافس الدولي والعلاقات الخارجية كما جاء في بند السياسة الخارجية، وإن كانت التنمية الشاملة الآمنة هي غاية الصين الأسمى فإن المضي قدماً فيها يُواجه بمثبطات تنبع من التهديدات الأمنية الإقليمية والدولية، لأن مواجهة هذه التهديدات تسمو على تلبية متطلبات التنمية.

وتزايدت هذه التهديدات على أرضية زيادة انخراط بكين الدولي، مما يعني أن تلبية الغاية الأسمى – التنمية الشاملة الآمنة – تتطلب تقليص الاشتباك الدولي، وإعادة ضبط مواقف التأزيم، وخفض استقطاب الشخصية الدولية الصينية، ففي السنوات الأخيرة شرعت الصين في اكتساب شراكات وتحالفات تراها واشنطن مقلقة ويلزم مجابهتها استباقياً.

لذلك قد تلجأ الصين إلى تعديل ثقلها ليتجه أكثر وأكثر نحو الداخل والاكتفاء بالبعد الإقليمي في سياستها الخارجية، وقد ناقش تقرير نشره ستراتيجيكس بعنوان “التوازن الضروري والسيطرة الأمريكية” مبدئين متنازعين في نهج التفاعلات الخارجية للصين، الأول هو الصعود السلمي، والثاني “الإخفاء والانتظار – Hide and Bide”

ويتمحور هذا المبدأ حول تنمية الصين لقدراتها في مختلف المجالات بهدوء وبسرية نسبية دون لفت الأنظار، وانتظار الوقت الملائم للإفصاح عن تأثير هذه القدرات بعد أن تكون قد تعاظمت بالحد الأدنى من العرقلة الدولية، وبتوجيه الجهد القومي نحو التنمية المحلية الشاملة بعيداً عن الملفات الخارجية.

ومن الملاحظ أن خطاب بينغ في افتتاح المؤتمر يعيد ضبط بوصلة لتحصين تنميتها وتعزيز قدراتها والحد ما أمكن من التنافرات الدولية. فبالمقارنة مع خطاب المؤتمر التاسع عشر الذي استغرق 3 ساعات، لم يتطرق خطاب المؤتمر العشرين الذي استغرق نصف المدة إلى ملفات حساسة كبحر الصين الجنوبي والبناء في الجزر والشعب المرجانية.

والأهم من ذلك أن خطاب المؤتمر العشرين غفِل عن استعراض مسار التقدم في مبادرة “الحزام والطريق”، فلم يذكرها إلا مرة واحدة بقوله “تحفيز التنمية العالية الجودة للبناء المشترك للحزام والطريق”. أما خطاب المؤتمر السابق فذُكرت “الحزام والطريق” خمس مرات وأسهب نسبياً في استعراض ملامحها وأهميتها.

وثمة شكوك بعضها موجه سياسياً حول مدى التزام بكين الفعلي في “البناء المشترك للحزام والطريق” حيث تعرضت مفاصل مهمة من المبادرة في بعض الدول للاستحواذ الصيني لتعذر سداد قروض صينية فيما تطلق عليه الأوساط الغربية “فح الديون”.

وفي الواقع تراجع إنفاق الصين على هذا المشروع لأسباب تتصل بالمجابهة الدولية التي يتعرض لها، ولتوجيه الانفاق نحو التنمية المحلية، ناهيك عن العقبات التقنية واللوجستية التي اعترضته.

وتهرب الخطاب من الإشكالات الاقتصادية الكبيرة التي تواجه الصين، كأزمة الرهن العقاري، وتعثر الإنتاج بفعل الإغلاقات المتصلة بسياسة “صفر كوفيد” التي يصر على انتهاجها الحزب، والحجب عن التكنولوجيا المتقدمة سواء بفعل العقوبات أو التنسيق الأمريكي مع شركائها.

ومما يدلل على هذه الأزمات توقع صندوق النقد الدولي تسجيل الاقتصاد الصيني أسوأ نمو على أساس سنوي منذ 4 عقود باستثناء عام 2020 الذي شهد تفشي جائحة كورونا.

كل ما سبق يشير إلى أن الخطاب قد يكون نقطة تحول جزئية لانعطاف بكين أكثر نحو الداخل، ولتحييد الممكن من التنافرات الدولية مع واشنطن للحفاظ على المزايا التجارية العالمية وتعزيزها.

أما فيما يتعلق بتوازنات القوى داخل أجنحة الحزب، فمن الصعب بناء وجهة نظر موضوعية حيال ذلك نظراً لتعذر الحصول على معلومات محايدة غير مسيسة، ولكن من المؤكد أن حكم بينغ بعد انتخابه في المؤتمر الوطني العشرون لن يكون بمثل سلاسة العقد الماضي الذي أحدثت فيه الصين اختراقات اقتصادية ودولية انعكست على زعامته المحلية، وبالتالي يمكن افتراض أن المؤتمر الوطني الحادي والعشرون -خريف 2027- قد لا يكون مشهداً تكميلياً لإقرار توجهات بينغ، بل قد يشهد مزاحمة علنية.

شاهد أيضاً

السوداني يلتقي العاهل الأردني في إطار مؤتمر الاستجابة الإنسانية الطارئة في غزّة

الشرق اليوم– التقى رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أمس الثلاثاء، عاهل المملكة الأردنية …