الرئيسية / مقالات رأي / السلوك الأمريكي.. محاولة للفهم

السلوك الأمريكي.. محاولة للفهم

بقلم:د. أحمد يوسف أحمد – صحيفة الاتحاد

الشرق اليوم- ثمة علامات استفهام مشروعة حول مدى رشادة السلوك الأمريكي الراهن تجاه الصين، فقد اتسم مؤخراً باستفزاز ظاهر للصين على نحو أثار ردود فعل صينية، في وقت تنخرط فيه الولايات المتحدة على رأس حلف الأطلسي في حرب بالوكالة ضد روسيا بهدف استنزافها وإحباط مسعاها لتغيير بنية النظام العالمي. فأمريكا توظّف أوكرانيا في هذه الحرب وتمدها بكل ما يلزم من أسلحة ومعلومات ومشورة ودعم اقتصادي كي تكسب الحرب، فإن لم تتمكن كان لها فضل استنزاف القوة الروسية على الأقل. كما عملت على فرض عقوبات غير مسبوقة ضد روسيا بهدف خنق اقتصادها لتعجيزها عن مواصلة الحرب. كما حاولت فرض عزلة دولية شاملة على روسيا من الواضح أنها كانت تأمل أن تشارك الصين فيها، خاصة وأنها لم تؤيد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. والأمل مشروع لكنه يتناقض مع حقائق العمليات الجارية في قمة النظام العالمي، والتي تصطف فيها الصين وروسيا من أجل حسم الطابع التعددي لهذه القمة ووضع نهاية للانفراد الأمريكي بقيادة النظام الذي بدأ بتفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 ووصل ذروته بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

ورغم محاولات الإدارة الأمريكية لجذب الموقف الصيني تجاهها، أو على الأقل ضمان حيدته بحيث لا يدخل ضمن عوامل قوة الموقف الروسي، فإن الصين صاغت موقفَها من الصراع بذكاء شديد، فهي لم توافق أبداً على العملية العسكرية الروسية، لكنها لم تدنها، كما تفهمت تماماً الهواجسَ الأمنية الروسية والقضايا التي أثارها الروس في سياق الصراع كقضية أبحاث الأسلحة البيولوجية في أوكرانيا برعاية البنتاجون، والأهم من ذلك استمرار وتعزيز كافة المؤشرات على تلاحم صيني روسي. فلا يمكن للصين مهما كانت الظروف أن تخذل شريكتَها في المعركة المشتركة لتغيير بنية النظام العالمي بتأكيد تعددية أقطابها على أنقاض الأحادية القطبية. وبدلاً من أن تواصل الإدارة الأمريكية مسعاها لتفكيك التلاحم الصيني الروسي، أو على الأقل زرع التناقضات داخله، فإنها بادرت وما تزال بسلسلة من المواقف الاستفزازية للصين دون مبرر كان على رأسها في أغسطس الماضي زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكية لتايوان، وهي زيارة أثارت ردَّ فعل صيني حاداً ومتوقعاً، وهو رد فعل تعرفه الإدارات الأمريكية المتعاقبة من خبرة علاقاتها بالصين في العقود الماضية منذ بدأت بعد طول قطيعة، واستمر التوتر في العلاقات حتى وصل ذروتَه بالتصريح الأخير للرئيس الأمريكي الذي قطع فيه بأن القوات الأمريكية ستدافع عن تايوان! ولنا أن نتخيل ما يتركه هكذا تصريح من تداعيات سلبية على العلاقات الأمريكية الصينية.

والأسئلة كثيرة حول تفسير هذه المواقف الأمريكية المستفزة لأنها تبدو غير رشيدة، على الأقل من منظور ما قد تفضي إليه من حرب جديدة لنا أن نتخيل ما سيترتب عليها من دمار، وكذلك من منظور التوقيت الذي تنشغل فيه الإدارة الأمريكية بما يشبه الحربَ العالمية ضد روسيا، وثالثاً من منظور توفير الظروف الأكيدة لتعزيز التحالف الصيني الروسي. إنه سلوك غير رشيد، لأن العقوبات الأمريكية ضد دول صغيرة ومتوسطة لم تفلح فما بالنا بمعاقبة دولة كالصين، أم أن الأمر كله لا يعدو أن يكون استجابةً لمصالح احتكارات السلاح، الرابح الأول من تأجيج التوتر الدولي؟ أم أنه نوع من المزايدة الداخلية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس؟ كلها احتمالات تغيب عنها الرشادة وتنطوي على لعب بالنار.

شاهد أيضاً

النموذج الصيني في إفريقيا

الشرق اليوم– لطالما ظلت القارة الإفريقية على مدى العقود الماضية، نهباً للاحتلال والاستعمار الأوروبي الذي …