الرئيسية / مقالات رأي / قمة الجزائر.. الرهان والأسئلة

قمة الجزائر.. الرهان والأسئلة

بقلم: إدريس لكريني – صحيفة الخليج

الشرق اليوم- تستعد الجزائر لاحتضان القمة العربية في دورتها الحادية والثلاثين؛ ومن المنتظر أن تعقد في بدايات شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وهي تأتي في ظرفية دولية وإقليمية خاصة، بالنظر إلى ما يشهده العالم والمنطقة العربية من تطورات وتحولات، تطرح، أكثر من أي وقت مضى، أهمية التنسيق والتعاون وطي الخلافات.

فعلى المستوى الدولي، ما زالت تبعات جائحة كورونا تلاحق عدداً من دول العالم على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وبخاصة وأنها فرضت وضعاً خاصاً وغير مسبوق، كانت كلفته خطيرة بالنسبة لاقتصادات العالم، بخاصة في عدد من البلدان العربية كلبنان وتونس، وتبين معها أهمية العمل المشترك لمواجهة مخاطر جماعية عابرة للحدود، فيما ساهمت من جانبها في إرجاء انعقاد هذه القمة لأكثر من ثلاث سنوات؛ رغم الإشكالات العميقة التي تعاني منها المنطقة على مستويات عدة.

أما الحرب الروسية في أوكرانيا، ففرضت أجواء من الخوف والترقب والاستقطاب، ورافقها ترقب كبير بصدد مستقبل الأمن الغذائي وأمن الطاقة بالنسبة إلى دول العالم قاطبة، وتبين معها أن الدول الكبرى لم تحسم بعد مع منطق اللجوء إلى القوة في تحقيق المصالح والاستراتيجيات، ما أعاد لسياسة الأحلاف العسكرية بريقها من جديد.

أما على المستوى الإقليمي، فلا أحد ينكر أن النظام الإقليمي العربي يمرّ بوضع صعب على كل المستويات، بسبب النزاعات البينية والداخلية، وتزايد التدخلات الخارجية في المنطقة، فالوضع الليبي وصل إلى حد خطير من التدهور، فيما يشهد العراق مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة؛ وعدم توافق عدد من الفرقاء السياسيين إزاء مستقبل البلاد التي عانت الويلات منذ انهيار نظام صدام حسين، وتدخل القوات الأمريكية. أما القضية الفلسطينية فتواجهها أزمة الحوار الفلسطيني – الفلسطيني، وفي اليمن ما زال الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني متأزماً، ويتطلب بذل الكثير من المجهودات في سياق تقريب وجهات نظر الفرقاء المتصارعة، وإعادة الاستقرار والطمأنينة إلى هذا البلد العربي الجريح.

ثمة الكثير من الأسئلة التي تطرح بشأن هذه القمة، ومدى قدرتها على إرساء حوار عربي بنّاء في مستوى هذه التحديات، وحول ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لتوفير شروط الانكباب على مختلف القضايا العالقة، في أفق يتجاوز السجالات الضيقة.

إن الرهان الأكبر لا ينبغي أن ينصب بالأساس على انعقاد القمة في حد ذاته، بل يتطلب الأمر أكثر من ذلك، بجعلها مناسبة لتطوير عمل الجامعة في عالم متحول، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ومساعدة الدول المتضرّرة من مختلف الأزمات المتلاحقة على تجاوز محنها، علاوة على الحدّ من حجم التدخلات الخارجة في المنطقة.

إن نجاح القمة مرتبط بشكل أساسي بظروف وترتيبات الإعداد لها، من حيث تبنّي خطاب تواصلي يدعم التركيز على الأولويات المشتركة، بدل تكريس الخلافات وتوجيه الاتهامات وخطابات التخوين. كما أن الإشكالات التي تواجه دول المنطقة تفرض الاستفادة من أخطاء الماضي التي كانت سبباً في تعميق الخلافات بدل حلها، وكانت عاملاً أساسياً في تكريس العداوات التي كلفت المنطقة الكثير من الخسائر، وتحمّل المسؤولية في توفير الشروط الكفيلة بإنجاح هذه المناسبة التي يمكنها أن تدعم شرعية وشعبية عدد من النظم العربية.

حقيقة أن هناك بعض المؤشرات الإيجابية التي يبدو أنها توفر مناخاً ملائماً لانعقاد القمة، بعدما أعلنت سوريا عن عدم المشاركة و”عدم طرح موضوع استئناف شغر مقعدها داخل الجامعة في هذه القمة”، حرصا منها على “توحيد الكلمة والصف العربي”.

إن أول مؤشر قد ينعكس بالإيجاب على مخرجات هذه القمة، هو الحرص على حضور رسمي وازن للدول الأعضاء، وبلورة جدول أعمال في مستوى اللحظة الصعبة التي تمر بها المنطقة، إضافة إلى تجاوز منطق القطيعة مع الجوار، وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد حضور الملك محمد السادس شخصياً في هذه القمة، إذا ما كانت هناك إشارات من البلد المضيف في جعل القمة محطة للحوار البناء ولتجاوز الخلافات، خصوصاً أن العاهل المغربي، ظل ينهج سياسة اليد الممدودة إلى الجارة الشرقية منذ سنوات، سواء عبر الدعوة إلى فتح الحدود، والانكباب على القضايا الحقيقية التي تهم البلدين، والشعبين الشقيقين، أو في ما يتعلق بإحداث آلية للحوار وحل الخلافات القائمة، بل وحتى في أعقاب إعلان الجزائر عن قطع العلاقات مع المغرب؛ أعلن قبل بضعة أسابيع عن تطلعه للعمل مع الرئاسة الجزائرية لإرساء علاقات طبيعية بين الشعبين الشقيقين.

تمثل القمة امتحاناً حقيقياً بالنسبة إلى البلد المضيف وللدول الأعضاء، لإعادة النقاش العربي نحو جادة الصواب، وبلورة مبادرات حقيقية على طريق تعزيز التضامن وتجاوز حالة الاحتقان القائمة، بمراجعة ميثاق الجامعة باتجاه أداء أكثر فاعلية وديمقراطية.

شاهد أيضاً

WP: متسلطو الرأي يريدون نشر أساليبهم.. يجب على الديمقراطيات أن تكون حذرة

الشرق اليوم-  إن الديمقراطيات والمجتمعات المفتوحة أهداف سهلة، للدول المستبدة، فإنها تنشر أساليب استبدادها لتصدير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.