الرئيسية / مقالات رأي / ليبيا وحتمية التسوية

ليبيا وحتمية التسوية

الشرق اليوم- أضافت الأزمة حول رئاسة مؤسسة النفط الليبية تعقيداً جديداً إلى الوضع الليبي المأزوم. وبينما كان بالإمكان تفادي الإرباك الذي تسببت به هذه القضية العارضة، فإنها كشفت ضمن قضايا أخرى، الأهمية البالغة لتوصل الأطراف المتنازعة إلى التوافق على تسوية تقود المسيرة الليبية نحو غاياتها النهائية المتمثلة في إجراء الانتخابات العامة والرئاسية بالشكل الذي يقود إلى استدامة الاستقرار في هذا البلد العربي.

ما حدث أن قرار رئيس حكومة الوحدة في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، القاضي باستبدال رئيس مؤسسة النفط الوطنية، واجه تمرداً من رئيس المؤسسة السابق مصطفى صنع الله الذي رفض إقالته ولوّح بمقاومة القرار وتفكيك وحدة المؤسسة عبر إنشاء مؤسسة موازية، ودعا إلى تدخل دولي لإعادة موضعته في منصبه السابق.

وبقدر ما يعكس هذا الموقف مبالغة في ردة الفعل من موظف عمومي تولى مسؤولية هذا القطاع البالغ الحساسية والقابل للالتهاب، فإنه يضيف إرباكاً للمشهد السياسي في وقت تسعى فيه ليبيا إلى مداواة جروح الانقسام المفتوحة منذ أكثر من عشر سنوات، وتبحث فيه قياداتها عن سبيل للخروج من نفق الانسداد السياسي والخصومات إلى آفاق الحلول التي تنهي مراحل الحكومات الانتقالية وتوحد مؤسساتها الحاكمة عبر الاستحقاق الرئاسي والتشريعي.

لقد كان من الممكن أن تمر قرارات العزل والتعيين من دون أن تتسبب في أي أزمات تنطوي على تهديدات بالانزلاق نحو مواجهات جديدة، طالما أنها تجري في أوضاع لا تخيم عليها غيوم النزاعات المتشعبة الدروب والمستويات، أو يتأثر فيها اللاعبون بأجواء الانقسام القائم فعلاً. فحيث يتقاعس القادة عن التوصل إلى التوافقات المطلوبة وتقديم التنازلات الضرورية يتفاقم التردي في عمل الحكومة وتتزايد صعوبة تنفيذ القرارات في المستويات الأدنى.

وفي السياسة التي هي فن الممكن، لا يحصل أي طرف من الأطراف المتصارعة على أقصى مطالبه، وينشأ الجمود والانسداد في الوضع السياسي في حال فشلت الأطراف في التوصل إلى حل وسط يوفر مكاسب أساسية لكل منها ويضمن الاستقرار للدولة.

إن الوصول إلى نقطة التسوية يقتضي تقديم تنازلات، وهي عملية قد تكون مؤلمة في وقتها وعلى المدى القصير، لكنها تتحول إلى مكاسب على المدى الطويل. لقد أدى إخفاق السياسيين في التوصل إلى تطبيق ناجح للاتفاقات السياسية بشكل يحقق الاستقرار، إلى اختناق المشهد السياسي برمته طوال عقد من الزمان، وتسبب في صعوبات كبيرة لأبناء الشعب الليبي صاحب المصلحة الحقيقية في الاستقرار. وشهدت المدن الليبية خلال الأسبوع الماضي انتفاضة غضب شكلت عامل ضغط جديداً يدفع باتجاه التسوية وإنهاء الخلافات، وجددت التأكيد على أن حلول الأزمة الليبية في أيدي الليبيين أنفسهم.

وفي عملية بالغة التعقيد وشديدة الحساسية مثلما هو الحال في ليبيا، فإن من المهم للقادة السياسيين أن يدرسوا قراراتهم بدقة آخذين في الاعتبار تأثيراتها المحتملة في مجريات الأمور وما إذا كانت ستقود إلى تكريس الاستقرار وتعزيز الثقة أو تؤدي إلى بروز أزمات جديدة تضاف إلى المشكلات الموجودة أصلاً.

شاهد أيضاً

بايدن و«النيران الصديقة»

بقلم: يونس السيد صحيفة الخليج الشرق اليوم- «المصائب لا تأتي فرادى».. هذا هو حال الرئيس …