الرئيسية / مقالات رأي / بوتين يشوينا على نار هادئة

بوتين يشوينا على نار هادئة

بقلم: د. هيثم الزبيدي – العرب اللندنية

الشرق اليوم – عندما تُقرر أن تقيم حفلة شواء في الهواء الطلق، عليك أن تختار نوعية الفحم جيدا. شيُّ اللحم والدجاج (الباربيكيو) فن يحتاج إلى الصبر ومعرفة الوقت الذي يستغرقه شيُّ كل قطعة على النار. الفحم الخفيف يلتهب بسرعة ويتبدد وتحتاج إلى تغذية النار بالمزيد منه. الفحم الكثيف يدخلك في مواجهة مع الضيوف الجائعين لأن إشعاله يستغرق وقتا. بعد فترة تتعلم الخلط بين نوعيتيْ الفحم، وتحصل على الجمر المناسب.

الفحم الخفيف عادة ما يكون جديدا. هو سيقان لأشجار يابسة يقوم صناع الفحم بحرقها جزئيا بعملية تسمى التفحيم (شكرا لمدرّس الكيمياء في المدرسة المتوسطة في العراق الذي علمنا أن الاسم العملي هو التقطير الإتلافي). الفحم الكثيف تعرّفنا عليه في أوروبا ويأتي من المناجم ويسمى الفحم الحجري. عملية إيقاده ليست سهلةً، ولكن ما إن يشتعل حتى يصبح جمره قابلا للبقاء إلى اليوم التالي.

بإغلاق مناجم الفحم الحجري في بريطانيا عام 2005، اختفى كيس الفحم الكثيف تدريجيا من دكاكين الباعة. بريطانيا على موعد في 2024 لإغلاق آخر محطات توليد الكهرباء بالفحم الحجري المستورد. الفحم الذي أطلق الثورة الصناعية وجعل من بريطانيا إمبراطورية صناعية تحكم العالم، صار الآن مذموما ومسببا للتلوث. مقالات التأبين العديدة له كتبت بعدوانية متميزة. لا أحد يريد أن يبقى الوقود الأحفوري، من فحم ونفط وغاز، أساسا لتوليد الطاقة، والأسوأ من هذا الثلاثي هو الفحم. الدول الأوروبية كانت في سباق: مَن الدولة التي تغلق المناجم قبل نظيرتها ومن تحيل محطات توليد الطاقة الكهربائية من الفحم على التقاعد قبل الأخرى؟ العالم المثالي هو عالم من الخلايا الشمسية التي تولد الطاقة النظيفة. نعرف بالطبع أن عالمنا ليس مثاليا وأن هذا الحلم لن يكون حقيقيا. من أين تأتي بخلايا شمسية تكفي 7.5 مليار شخص يعيشون اليوم على الكرة الأرضية.

ثم جاءت حرب أوكرانيا لتحول الحلم إلى كابوس. استهتر الغرب بقدرات روسيا في مجال توفير النفط والغاز، وصار يلاعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ يوما يقول له نشتري الغاز ولا نشتري النفط، ويوما ثانيا يقول له نشتري الغاز منك إلى نهاية هذا العام، ويوما ثالثا يقول له تبيع لنا ولا نبيع لك. بوتين، ومعه الكثير من الحلفاء في مجال الطاقة ممن أعيتهم ازدواجيات المعايير الغربية، رد بأسلوب صادم؛ صار هو من يقطع الغاز والنفط، وفرض الدفع بالروبل على الدول غير الصديقة (كي لا يستخدم مفردة عدوة). الغرب أمام صدمة كبرى؛ فهذه المرة لم تكن الأسعار المرتفعة فقط هي المشكلة، بل هل ثمة من يورد لك الغاز والنفط؟

سوّد السياسيون الغربيون وجوههم، معنويا وعمليا. أعادوا الاعتبار للفحم كمصدر للطاقة بعد أن طالت الحرب ولم يتراجع بوتين عن قراراته. خلال الأسبوعين الماضيين، توالت الإعلانات عن تمديد إعمار محطات توليد الطاقة العاملة بالفحم، ووضع جانبا كل كلام عن تأثيرات إحراق الفحم السلبية على البيئة. آخر المنضمين إلى إعادة الاعتبار هذه النمسا وهولندا، والأهم ألمانيا. لا أحد يريد أن يتحدث عن مساوئ الوقود الأحفوري. لسان حال الغرب يقول: رجاء أرسلوا إلينا المزيد منه.

كان الكثيرون يعتقدون أن مشاهد الفحم ستكون في حفلات الباربيكيو وحسب. إذا كنت عربيا في لندن فإن مشهد الجمر المتوهج سيأتيك وأنت تشاهد الشباب في مقاهي وسط لندن وغربها وهم يدخنون الشيشة/الأرجيلة. حفلات الشواء ومقاهي الأرجيلة تتنافس الآن مع محطات توليد الطاقة على حصتها من الفحم. بوتين يشوينا على نار هادئة.

شاهد أيضاً

روسيا والتصعيد الاستراتيجي الأمريكي

بقلم: محمد السعيد إدريس – صحيفة الخليج الشرق اليوم- أسبوع حافل من النشاط الأمريكي الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.