الرئيسية / مقالات رأي / أزمةُ الاتحاد الأوروبي أكبر من الاقتصاد

أزمةُ الاتحاد الأوروبي أكبر من الاقتصاد

بقلم: د.وحيد عبدالمجيد – صحيفة الاتحاد

الشرق اليوم- خسائر الاتحاد الأوروبي جراء الحرب الروسية الأوكرانية كبيرة ومتزايدة. لا تقتصر هذه الخسائر على الآثار الاقتصادية الناتجة عن ارتداد العقوبات المفروضة على روسيا. كما أن الخسائر الاقتصادية قد لا تكون الأخطر، لأن تعويضها ممكن بعد انتهاء الحرب. لكن ما قد لا يتيسر تداركه هو الخسائر المترتبة على خلافٍ مرشحٍ للتوسع بين دول الاتحاد على كيفية التعامل مع الحرب في الفترة المقبلة. ويمكن الآن ملاحظة اتجاهين مختلفين. اتجاه مُتشدد يُشَّددُ على مواصلة دعم الحكومة الأوكرانية حتى تتمكن من استرداد أكبر مساحة ممكنة من الأراضي التي استولت عليها القوات الروسية، وحرمان موسكو من تحقيق أي نصر عسكري. لا يبالي هذا الاتجاه، فيما يبدو، بكلفة استمرار الحرب لأشهرٍ طويلة أخرى، ولا بحدود قدرة القوات الأوكرانية على الصمود في المناطق الشرقية والجنوبية، ناهيك عن إحراز تقدمٍ كبير على الأرض. أما الاتجاه الثاني الذي يتسم بالمرونة فيرى أنه لا جدوى من استمرار الحرب، ولا بديل في النهاية عن التفاوض للتوصل إلى تسوية، ولا مبرر بالتالي لمزيد من الخسائر.

ورغم أن مواقف الدول الأكبر، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، تُدرج في إطار الاتجاه الثاني، لا يمكن حل هذا الخلاف السياسي الاستراتيجي بدون إقناع الدول التي تتبنى الاتجاه الأول بعدم جدوى موقفها. فإذا تعذر ذلك، ربما يصبح الاتحاد الأوروبي في خطرٍ غير مسبوق. فهذه المرة الأولى التي يحدث فيها خلاف ذو طابع استراتيجي بهذا الحجم بين دوله. كما أن استمراره ربما يُقسِّم الاتحاد على أساس جغرافي. فالدول التي تتبنى الاتجاه المتشدد توجد كلها تقريباً في شرق القارة، لأن بريطانيا التي تشاركها موقفها غادرت الاتحاد، فيما تقع الدول ذات المواقف المرنة في غربها.

ويعني هذا أن أزمة الاتحاد الأوروبي اليوم أكبر من آثار الحرب على اقتصادات دوله، وأخطر من أية أزمةٍ سابقةٍ في تاريخه، فضلاً عن أن عنصر الوقت بالغ الأهمية فيها. فكلما تأخر حلها ازداد خطرها. لكن مؤسسات الاتحاد تفتقر إلى القدرات اللازمة لاحتوائها قبل أن تخرج عن السيطرة. فالجمود الذي يُعد أحد أهم سمات مؤسسات الاتحاد الأوروبي يُضعف قدرتَها على التحرك السريع، وعلى طرح أفكار جديدة. فقد أخفقت هذه المؤسسات، وفي مقدمتها المفوضية الأوروبية، في التعامل مع المتغيرات مهما كان مستوى إلحاحها، وبدت في بعض اللحظات كما لو أنها خارج الزمن في هذا الكوكب، لأسبابٍ تتعلق بطريقة إدارتها أكثر مما ترتبط بصعوبة التوفيق بين مواقف 27 دولة. كما تتوافر دلائل على أنها تفتقر للمرونة الإدارية اللازمة لتصحيح مسارها، وتحسين أدائها، عبر إجراء إصلاحات هيكلية تشتد حاجة الاتحاد إليها إذا أُريد له أن يبقى.

ولهذا يبدو أن تجاوز الاتحاد الأوروبي أزمته الحالية الأخطر في تاريخه يتوقف على مراجعة الدول المتشددة مواقفَها تحت ضغط ويلات الحرب المرشحة للتفاقم في الفترة المقبلة. فإن كان لا بد من التفاوض في النهاية، فالأجدى أن يكون عاجلاً وليس آجلاً.

شاهد أيضاً

ماذا تعني التغيرات الديموغرافية لبريطانيا؟

بقلم: عثمان ميرغني – صحيفة الشرق الأوسط الشرق اليوم- النتائج التي نشرت أول من أمس …