الرئيسية / مقالات رأي / لبنان فوّت فرصة الانضمام إلى عالم التّعاون الإقليمي في مجال الطّاقة

لبنان فوّت فرصة الانضمام إلى عالم التّعاون الإقليمي في مجال الطّاقة

بقلم: علي حمادة – النهار العربي

الشرق اليوم- مع رسوّ منصة التنقيب والاستخراج والتخزين والتوزيع “انيرجيان” اليونانية – البريطانية العاملة في حقل “كاريش”، قبالة شواطئ إسرائيل المحاذية للبنان، ضمن صفقة فازت بها الشركة المالكة للمنصة، يمكن القول إن ما كان متوقعاً منذ أسابيع عدة قد حصل.

فالمسؤولون اللبنانيون كانوا على علم بأن السفينة – المنصة التي جرى تصنيعها في ماليزيا باتت جاهزة للتوجه إلى منطقة العمليات التي صُنعت لأجلها. وبالرغم من أن الحكومة اللبنانية كانت قد راسلت الأمم المتحدة بشأن قضية النزاع مع إسرائيل حول الخط 29 الذي يعتبره لبنان الرسمي نقطة التفاوض التي ينطلق منها لترسيم الحدود البحرية، فإن امتناع لبنان عن إصدار مرسوم خاص لتعديل إحداثيات الخط البحري، بما يتلاءم ومطالبه  بالخط 29، فضلاً عن المماطلة في عملية التفاوض عبر الوساطة الأمريكية لإنهاء كل نزاع في ما يتعلق بالحدود البرحية الجنوبية، قد أفقد لبنان المبادرة، ولا سيما أن السلطات الرسمية لم تعترض منذ قبولها عام 2011 الخط 23 منطلقاً للتفاوض على الترسيم، وبقي الاعتراض شفوياً، غير رسمي وغامضاً، ولم يتم إيداع الأمم المتحدة أي وثيقة رسمية تثبت الموقف اللبناني في المفاوضات. وعليه، كان التقصير اللبناني فاضحاً، إذ إنهم تسببوا بإضاعة الوقت، وابتدعوا مطلباً إعلامياً أكثر مما هو قانوني، بما يذكّر المراقبين بموضوع النزاع حول مزارع شبعا المحتلة من قبل إسرائيل، والتي بقي الموقف اللبناني بشأنها يعتبر أنها أراض لبنانية محتلة لم ينسحب منها الإسرائيليون، فيما لم ينتزعوا من الحكومة السورية أي وثيقة رسمية يمكن إيداعها الأمم المتحدة من أجل نقل مزارع  شبعا من ولاية القرار 242 إلى ولاية القرار 425 الذي انسحبت بموجبه إسرائيل من لبنان عام 2000. وليس سراً أن قضية مزارع شبعا ابتُدعت عند انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية من أجل الإبقاء على حالة ربط نزاع مع إسرائيل، بهدف شرعنة سلاح “حزب الله”. وكثيراً ما طولبت السلطات السورية بتقديم أدلة إلى لبنانية المزارع من أجل خوض معركة دبلوماسية لبنانية ضد إسرائيل، وتحرير مزيد من الأراضي العربية من الاحتلال، هذا لم يحصل. جل ما حصل أن وزارة الخارجية السورية راسلت الأمانة العامة للأمم المتحدة قبل سنوات عدة، معلنة أن مزارع شبعا لبنانية. لكن لم ترفق الرسالة بوثائق يمكن أن تشكل سنداً قانونياً للمزاعم. ما يحصل في ما يتعلق بالحدود البحرية الجنوبية للبنان شبيه بذلك.

والسلطات اللبنانية، بدءاً من رئاسة الجمهورية، والحكومات الأخيرة منذ 2017، لم تعمل على انتزاع مطلب لبنان من دائرة الدعاية السياسية المحلية، ولم تتعامل مع قضية دقيقة لا تخص لبنان وإسرائيل وحدهما، بل إنها تدخل في إطار أوسع يتصل بعلاقات متشابكة بين الدول المتشاطئة على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط الذي تحوّل إلى نقطة جذب إقليمي ودولي، لما يحتويه من ثروات نفطية وغازية هائلة. وقد برهن المفاوض اللبناني على قلة أهلية منذ أن انطلق من الخط 23 كنقطة تفاوض، ثم عدّل رأيه ليطالب بالخط 29، ثم أبقى المطلب الجديد خارج الأطر القانونية، فأخضع المناورة لمآرب سياسية محلية أكثر مما كانت على صلة بالمصالح القومية اللبنانية. كل ذلك وسط تضارب في المرجعية بين القوة القاهرة في لبنان، أي “حزب الله”، والدولة الرسمية الضعيفة والمستتبعة. وبينما كانت إسرائيل تعمل بجدية على استغلال الثروات النفطية الغازية في كل الحقول البحرية المنتشرة من الشمال إلى الجنوب حتى الحدود مع مصر، حيث التعاون بين البلدين على استغلال تلك الثروة، والتشارك فيها بلا إبطاء. في لبنان ظل الجميع أسرى الديماغوجية، وسوء التدبير، والخوف من مزايدات من تطلق عليهم تسمية “قوى الممانعة” بشعاراتهم المستمدة من خمسينات القرن الماضي. فلم يقم لبنان بأي جهد حقيقي، أقله للاستفادة من إمكانية التنقيب في أماكن أخرى من المنطقة الاقتصادية البحرية اللبنانية، مع ترك أي نزاع مع إسرائيل قيد التفاوض الجدي، لما يشكله حل جميع النزاعات من أثر مهم على البيئة الاستثمارية في قطاع الطاقة. والأهم أن لبنان الرسمي المستتبع لـ”حزب الله” بكامله، لم ينبس ببنت شفة عندما اكتشف أن السلطات السورية قد بدأت بأعمال تنقيب بحرية تجاوزت فيها الحدود البحرية اللبنانية، وذلك برعاية روسية أدت إلى فرض صمت ثقيل، ما أضاف قضية التعدي على الحدود البحرية اللبنانية إلى جملة تعديات سورية على طول الحدود البرية الممتدة من شاطئ البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى العديد من المناطق الواقعة في نطاق السلسلة الشرقية التي تفصل بين البلدين.

لقد شكل التقصير الرسمي اللبناني، من أعلى الهرم إلى أدناه، سبباً جوهرياً لإضعاف الموقف الرسمي اللبناني، وبدا أن الصرخات التي تعالت منددة بتعدي الإسرائيليين على الحقوق اللبنانية، كانت مجرد ديماغوجية، لا سند لها سوى المناورات، والابتزاز المتبادل بين “حزب الله” ومن خلفه الإيرانيون، وإسرائيل ومن خلفها الأمريكيون. أما لبنان فبقي كما عهدناه مجرد صندوق لتبادل الرسائل الباردة تارة، والحارة طوراً. كل ذلك وسط تجاهل لبناني جدي لكل التطورات التي تحصل في المنطقة، لجهة التشابك المطّرد في المصالح بين معظم الدول الرئيسية فيها، بدءاً من دول الخليج العربي الكبرى، إلى مصر والأردن وإسرائيل، وفي الخلفية الولايات المتحدة، وأوروبا. وقطاع الطاقة واقع في قلب عملية تشبيك المصالح الإقليمية التي سيبقى لبنان خارجها. ولن يكون في مقدور الجهة التي تعتد بالسلاح الإقليمي المقيم في لبنان، ولا بالقدرة على “الردع” أن تفعل شيئاً. فحقل مثل حقل “كاريش” ليس إسرائيلياً بالمعنى الضيق، بل إنه جزء من إطار إقليمي أوسع عربي – إسرائيلي – أمريكي – أوروبي. من هنا فخطاب المراهقة السياسية الذي يهوّل بالسلاح والردع المسلح، لا قيمة له كما يروّج له عبر الدعاية السياسية، لسبب واحد وبسيط، لأن قطاع الطاقة بمنشآته وأمنه لا يشبه شجرة في أرض جرداء من مزارع شبعا التي تفتقر إلى سند يُعتد به في الأمم المتحدة يثبت لبنانيتها قانوناً. إنه شأن مختلف تماماً.  

شاهد أيضاً

بين الحرية والكراهية

الشرق اليوم- تحت ستار حرية التعبير المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يتم انتهاك …