الرئيسية / مقالات رأي / عن مستقبل الاتحاد الأوروبي

عن مستقبل الاتحاد الأوروبي

بقلم: د. محمد أمين الميداني – صحيفة “الجريدة”

الشرق اليوم – أنهى مؤتمر مستقبل أوروبا أعماله يوم التاسع من هذا الشهر باجتماع عُقد في رحاب البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث تم اعتماد وثيقة بعنوان: (مستقبل أوروبا)، كما قدم، في الجلسة الختامية، الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون)، والذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي حتى منتصف هذا العام، مقترحات جديدة تتعلق بتعديل اتفاقيات هذا الاتحاد، وتطوير مؤسساته.

ونبدأ بوثيقة مستقبل أوروبا، والتي تمثل شكلا فريدا من أشكال «الديموقراطية التشاركية» في أوروبا، حيث تم تحضيرها من قبل 800 مواطن أوروبي يمثلون الهيئات الانتخابية في بلدان الاتحاد، ومختلف مكونات المجتمع المدني في دوله الأعضاء، وذلك على مدار عام كامل، وكان رئيس البرلمان الأوروبي قد طرح فكرة هذا المؤتمر العام الماضي، بقصد صياغة هذه الوثيقة.

ووضعت الوثيقة التي تم توزيعها على المشاركين بالمؤتمر وعلى مختلف وسائل الإعلام، مجموعة من المبادئ المأمول أن يتم الأخذ بها ووضع آليات لتنفيذها، وتتعلق هذه المبادئ بتسع نقاط رئيسة تدور حول:

1- التغيير المناخي والبيئة.

2- الصحة.

3- اقتصاد قوي وعدالة اجتماعية.

4- الاتحاد الأوروبي والعالم.

5- القيم الأوروبية والحقوق وسيادة القانون والأمن.

6- التحول إلى المعلوماتية.

7- الديموقراطية الأوروبية.

8- الهجرة.

9- التربية والثقافة والشباب والرياضة.

كما حظيت المقترحات التي تقدم بها الرئيس الفرنسي في نهاية جلسة البرلمان الأوروبي، من جهة ثانية، باهتمام خاص من قبل المحللين والإعلاميين لأنها تدخل في صميم عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ولا نبالغ إذا قلنا بأنه في حال اعتمادها فإنها سترسم ملامح مستقبل هذا الاتحاد للعقود القادمة.

نجد من بين هذه المقترحات السعي لتعديل الاتفاقيات التي يقوم عليها الاتحاد، من خلال مناقشتها في الاجتماع الذي سيضم الشهر القادم الرؤساء ورؤساء وزراء دول الاتحاد، وكان قد سبق للبرلمان الأوروبي أن اقترح مثل هذا التعديل.

واقترح أيضا الرئيس الفرنسي تأسيس ما سماه (الجماعة السياسية الأوروبية)، والتي يمكن، على حد تعبيره أن تسمح للبلدان الأوروبية الديموقراطية أن تنضم إلى هذه الجماعة بقصد التعاون في المجالات السياسية، والأمنية، ويمكن أن تشكل هذه الجماعة بتصوره مرحلة تسبق استكمال هذه البلدان لشروط الانضمام لاحقا إلى الاتحاد الأوروبي.

وسعيا لحل المشكلات المتعلقة بعدة قضايا مثل: السياسة الخارجية، والأمن المشترك، والأمور المالية، والبيئة، وكذلك التعليم، عرض الرئيس الفرنسي أن يتم التصويت على القرارات التي ستتخذ بخصوص هذه القضايا الأساسية عملا بقاعدة «الأغلبية المؤهلة»، وليس بقاعدة «الإجماع»، وقد رأينا في مناسبات عديدة كيف أن رفض دولة واحدة في الاتحاد وعدم موافقتها على قرار ما قد عطل اتخاذ الإجراءات الضرورية في قضية يمكن أن تكون حيوية وأساسية كقضايا البيئة، واللاجئين، والصحة، والدفاع. وهذا ما ركّزت عليه أيضا رئيسة المفوضية الألمانية التي حضرت هذا الاجتماع في رحاب البرلمان الأوروبي، وبينت كيف أن قاعدة «الأغلبية» قد حالت دون اتخاذ قرارات سريعة ومهمة فيما يتعلق بشؤون الصحة والدفاع.

وضرب رئيس الوزراء البلجيكي السابق، والذي حضره بدوره الاجتماع، مثالا عن عرقلة قاعدة «الأغلبية» لاتخاذ قرارات سريعة، وكيف أن السلطات الأميركية قررت، ومنذ 8 مارس، حظرا على المنتوجات النفطية الروسية، في حين لم يتخذ الاتحاد الأوروبي قرار الحظر هذا إلا في 4 مايو، علما بأن بعض دول هذا الاتحاد تضع في الوقت نفسه عراقيل بخصوص هذا الحظر!

لكن لا يكفي أن يتقدم الرئيس الفرنسي بمقترحات لتوافقه عليها كل دول الاتحاد الأوروبي! فمن بين 27 دولة أعضاء في الاتحاد، سبق أن عبرت 13 دولة عن معارضتها لتعديل اتفاقيات الاتحاد وهي: استونيا، وبلغاريا، وبولونيا، وجمهورية التشيك، والدنمارك، ورومانيا، وسلوفانيا، والسويد، وفنلندا، وكرواتيا، وليتوانيا، وليتواني، ومالطا، ونستطيع أن نتفهم مواقف هذه الدول وبخاصة أن موضوع تعديل اتفاقيات الاتحاد لم يكن من بين أهداف (مؤتمر مستقبل أوروبا)، وهو ما عبر عنه بعض ممثلي دول الاتحاد، كما يجب أن نوضح بأن الاتحاد الأوروبي بمختلف اتفاقياته والعديد من مؤسساته هو حصيلة مسيرة تاريخية طويلة، وجهود متعددة ومتنوعة بدأت منذ أن تم تأسيس الجماعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1951، مرورا بالسوق الأوروبية المشتركة عام 1957، إلى قيام الاتحاد الأوروبي بنظامه الحالي منذ أن دخلت اتفاقية (برشلونة) حيز النفاذ عام 2009.

لا شك أن الاتحاد الأوروبي يمر بمرحلة جديدة في تاريخه، وأن الحرب في أوكرانيا قد ألقت بظلالها على قراراته وعمل مؤسساته، وأن طلبات الانضمام إليه جديدها كطلب أوكرانيا، وقديمها كطلب تركيا، تمثل تحديات جديدة تتعلق بقبول أعضاء جدد فيه، وما يمكن أن يترك ذلك من آثار ونتائج في العديد من المجالات، وإذا كان موضوع انضمام تركيا مطروحا منذ عدة عقود ولم يتم حسمه بعد، إلا أن الرئيس الفرنسي كان واضحا أمام البرلمان الأوروبي حين صرح بأن انضمام أوكرانيا هو موضوع يحتاج إلى سنوات، علما أن رئيسة المفوضية الأوروبية قد سلمت ملف الانضمام لرئيس أوكرانيا في زيارتها الأخيرة لهذا البلد الأوروبي، وتنتظر المفوضية أن يتم استكمال الملف والرد على الأسئلة والاستفسارات المطروحة فيه بحلول شهر يونيو المقبل لدراسة طلب هذا الانضمام.

تُطرح عدة تساؤلات عن مستقبل الاتحاد الأوروبي، بوضعه الحالي، وكذلك عن وضعه في حال قبول عضوية دول جديدة، وتُقدم العديد من المقترحات، وآخرها مقترحات الرئيس الفرنسي، لتفعيل دور مؤسساته وتطويرها أملا بأن يحقق هذا الاتحاد الأهداف التي قام على أساسها والتي تحرص على أمن وسلامة ورفاهية الإنسان في دول الاتحاد.

شاهد أيضاً

روسيا والتصعيد الاستراتيجي الأمريكي

بقلم: محمد السعيد إدريس – صحيفة الخليج الشرق اليوم- أسبوع حافل من النشاط الأمريكي الذي …