الرئيسية / مقالات رأي / بريطانيا.. النواة الصلبة للغرب

بريطانيا.. النواة الصلبة للغرب

بقلم: الحسين الزاوي – صحيفة “الخليج”

الشرق اليوم – إن الأحداث الجارية الآن في العالم وبخاصة ما تعلق منها بالمواجهة المحتدمة بين الغرب وروسيا، تسهم مرة أخرى في إبراز الفروق المتعلقة بمضامين المفاهيم المتداولة على نطاق واسع، والتي يؤدي اتساع نطاق استعمالها إلى إضفاء مزيد من الغموض والالتباس عليها.

ونستطيع أن نلاحظ أن مفهوم الغرب بمرجعياته الجغرافية والثقافية والسياسية المتداخلة، يمثل أبرز نموذج لهذه المفاهيم التي يجري توظيفها بكثير من الاستسهال والتسيب. ونعتقد في هذا السياق أنه من أجل فهم جانب من التطورات المفصلية التي يشهدها العالم، يتوجّب علينا أن نركِّز على البعد الثقافي واللغوي، لكي نتمكن من الحديث عن جانب من هذا الغرب المتعدّد المتمثل في الغرب الأنجلوساكسوني بقيادة بريطانيا وأمريكا.

تشير المعطيات التاريخية إلى أن هذه المنظومة الثقافية واللغوية، التي استطاعت أن تهيمن على العالم اقتصادياً وأمنياً وتكنولوجياً، تأسست بفضل المهاجرين الإنجليز، وتعزز انتشارها نتيجة الحملات الاستعمارية لأساطيل العرش البريطاني، كما أسهم تحالفها مع الشتات اليهودي في العالم في تحويل لندن ونيويورك إلى تقاطع طرق لكل حركات رؤوس الأموال في العالم، لاسيما في القرن العشرين الذي وصفه المؤرخ يوري سليزكين بأنه «قرن يهودي بامتياز». ويساعدنا التذكير بمثل هذه البديهيات، في فهم العودة القوية للروح القومية للمملكة المتحدة وعزمها على التخلص من وصاية الاتحاد الأوروبي، ومحاولتها أيضاً، خلال الحرب الروسية في أوكرانيا، أن تقدّم نفسها بوصفها النواة الصلبة للغرب بشكل عام، والمدافع الشرس على العالم الأنجلوساكسوني الذي تشعر نحوه بسلطة أبوية، بشكل خاص.

ومن الواضح أن مزايدة لندن على حليفها الأمريكي في إبراز إصرارها على مجابهة روسيا، يهدف إلى تأكيد أنها تمثل المرجعية الأصلية للتحالف الغربي، وبخاصة أنها تسعى إلى العودة بقوة إلى أوروبا عبر المظلة العسكرية، من خلال إقناع دول شرق القارة أن الاتحاد الأوروبي عاجز عن توفير الحماية العسكرية لها بعيداً عن الزعامة الأنجلوأمريكية، وذلك من منطلق قناعتها بأن أي فشل لتحالفها مع واشنطن، وأي إخفاق استخباراتي لتحالف «العيون الخمسة» في التصدي لمحاولة روسيا والصين إضعاف الهيمنة الغربية على العالم، سيُفضي إلى فقدان ما تحقق من مكاسب لصالح منظومتها خلال عقود طويلة من الزمن.

لقد لاحظ المراقبون داخل المعسكر الغربي نفسه، لاسيما في فرنسا وألمانيا، أن تصريحات بريطانيا تجاه موسكو تميّزت بحدة فاقت في نبرتها كل ما أصدرته الإدارة الأمريكية من بيانات شجب وإدانة لروسيا، وكان لافتاً أن لندن أبدت ثقة كاملة في إمكانية هزيمة روسيا في أوكرانيا، حيث صرّح رئيس وزرائها في آخر حديث له أمام البرلمان الأوكراني، بأن كييف ستنتصر في حربها مع موسكو، كما كانت لندن أول دولة غربية تنشر 8 آلاف جندي في شرق أوروبا، مستعرضة ما تمتلكه من قوة أمام أنصارها في الشرق وفي الدول الإسكندنافية، وتحدثت في أول سابقة من نوعها عن حق أوكرانيا في استهداف العمق الروسي.

وفضلاً عن ذلك، فقد عبّر جونسون لزيلينسكي عن التزام بلاده  أكثر من أي وقت مضى  بتقديم كل الدعم الممكن لأوكرانيا في وقت تحدثت فيه تقارير عديدة عن البلاء الحسن الذي أبلته الأسلحة البريطانية في أرض المعارك براً وبحراً، كما سبق للندن أن وصفت التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا بأنه «بربري». وقالت إنها ستقوم بملاحقة المسؤولين الروس على «الجرائم» المقترفة في أوكرانيا.

ويعتقد الروس في هذا السياق، أن التصريحات والسلوكيات العدائية غير المسبوقة لبريطانيا نحو بلادهم، قد تكون مجرد تبادل للأدوار بينها وبين واشنطن التي صرّح وزير دفاعها بأن بلاده تسعى من وراء دعمها لكييف، إلى إضعاف روسيا وجعلها غير قادرة على مهاجمة جيرانها مستقبلاً. وتؤكد  في المقابل  أطراف أخرى داخل المعسكر الغربي وخارجه، أن السلوك البريطاني يصعب فهمه خارج نطاق شعور بريطانيا بخطر وجودي غير مسبوق.

وعلاوة على هذه المخاوف البريطانية بشأن مستقبل الغرب، هناك توقعات بأن التوتر الذي برز مؤخراً بين روسيا وإسرائيل على خلفية تصريحات سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، يمكنها أن تضطر النخب اليهودية إلى وضع كل بيضها في سلة الغرب الأنجلوساكسوني؛ الأمر الذي من شأنه أن يضاعف من مخاطر حدوث مزيد من التصعيد على المستوى الدولي.

شاهد أيضاً

روسيا والتصعيد الاستراتيجي الأمريكي

بقلم: محمد السعيد إدريس – صحيفة الخليج الشرق اليوم- أسبوع حافل من النشاط الأمريكي الذي …