الرئيسية / مقالات رأي / .. إنها حرب عالمية

.. إنها حرب عالمية

الشرق اليوم- صحيح أن الحرب تدور بين روسيا وأوكرانيا، ومساحتها الجغرافية محدودة النطاق حتى الآن، لكن تداعياتها الجيوسياسية تطول القارة الأوروبية وتتجاوزها إلى العالم. ومن الخطأ على ضوء مجريات الحرب القول إنها بين دولتين، فهي في الواقع حرب عالمية بالمفهوم العسكري والسياسي. إذ إن كل دول حلف الأطلسي ال 30 منخرطة فيها بشكل أو بآخر من خلال تقديم السلاح والدعم اللوجستي والمالي والتدريب والمستشارين وتوفير كل مستلزمات مواجهة القوات الروسية، كما أنها تخوض مواجهة ضارية ضد روسيا على الجبهات الاقتصادية والمالية والدبلوماسية والإعلامية.

 فالحرب العالمية هي الحرب التي تشترك فيها عدة دول، وتؤثر تداعياتها في العالم سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وقد تستمر لأشهر أو لسنوات.

 والحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت للتو هي على هذا النمط ، و”قد تستمر لأشهر أو لسنوات” حسب تعبير الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبيرغ الذي دعا دول الحلف “للاستعداد لمسار طويل من حيث تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا والاستمرار في العقوبات وتعزيز دفاعاتنا”.

 إن كلام ستولتنبيرغ يعني أن دول الحلف هي جزء أساسي من الحرب، وإن لم تشترك فيها مباشرة بجيوشها وأسلحتها، وهي تستعد لحرب طويلة ضد روسيا من منظور أن الحرب تعنيها، وأن هزيمة روسيا هي هدف غربي لمنعها من تحقيق أهدافها التي ترى فيها الدول الغربية خطراً على النظام الدولي الذي تسيطر عليه وتمارس من خلال الهيمنة والنفوذ.

 في الحرب العالمية الأولى التي بدأت العام 1914 وانتهت العام 1918، شاركت فيها تسع دول هي، دول الحلفاء وتضم بريطانيا وإيرلندا وفرنسا وروسيا من جهة، وألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا والدولة العثمانية من جهة ثانية، وانتهت بانتصار دول الحلفاء وبمقتل حوالي 15 مليون شخص بين مدني وعسكري، ووصفت بأنها “آخر الحروب”. لكن ما جرى بعد ذلك أن حرباً عالمية ثانية اندلعت العام 1939 ولكن بمشاركة 62 دولة بشكل مباشر هذه المرة، وانتهت بانتصار دول الحلفاء، وبمقتل أكثر من 70 مليون عسكري ومدني.

 من نتائج الحربين تغيرت خرائط، وزالت دول، ووُلدت دول، وتبدلت تحالفات، ووُلد نظام دولي جديد على أنقاض نظام دولي قديم، وكان النظام الثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذي انهار العام 1991، حيث تصدرته الولايات المتحدة منفردة، ومارست في ظله سياسة تقوم على القوة المفرطة والغزو والعقوبات.

 لقد حاولت الصين وروسيا خلال السنوات الماضية كسر حلقة التفرد الأمريكي بالنظام الدولي، وإقامة نظام جديد يقوم على المشاركة الدولية، لكن ذلك كان بالنسبة للولايات المتحدة يعني هزيمة استراتيجية، فيما كانت تلحق بها هزائم عسكرية في العراق وأفغانستان، والقبول بمشاركة الآخرين يعني التسليم بانهيار امبراطوريتها.

 كان المخطط الأمريكي في الأساس أن تكون الصين هي الهدف الأول، باعتبارها تمثل قوة اقتصادية وعسكرية طموحة ومنافسة وصاعدة بقوة، فوجهت كل ثقلها العسكري والاقتصادي باتجاه جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، لكن مع تفجر الحرب الأوكرانية صار الهدف روسيا، من خلال تشكيل تحالف غربي واسع يخوض الحرب بواسطة أوكرانيا.

المصدر: صحيفة الخليج

شاهد أيضاً

هل تجاوزت المسيحية فعلاً تاريخها الطّويل من الخلاف والصّراع؟ (3) الدّينُ يشهرُ السلاح

بقلم: حسن إسميك- النهار العربيالشرق اليوم– في الفترة الواقعة بين الإصلاح الذي يُنسب إلى مارتن …