الرئيسية / مقالات رأي / اليسار الفرنسي والفرصة الأخيرة

اليسار الفرنسي والفرصة الأخيرة

بقلم: أحمد نظيف – النهار العربي 

الشرق اليوم – قبل نحو تسعين يوماً من النزال الانتخابي الرئاسي الحاسم في فرنسا، لا يزال اليسار مشتتاً، متأخراً كثيراً في كل استطلاعات الرأي عن رباعي اليمين في السباق: ماكرون، زيمور، بيكريس، ولوبان، وسط دعوات من القاعدة الاجتماعية العريضة الى التوحد والخروج بمرشح يساري واحد لمواجهة هذا الزحف اليميني. 

هذه الدعوات الوحدوية خرجت منذ فترة نحو مزيد من الفعل في ما صار يُعرف بــ”الانتخابات التمهيدية الشعبية”، وهي مبادرة مواطنية ترعاها القواعد الاجتماعية لليسار، والتي تدعو إلى الخروج بمرشح واحد لليسار للانتخابات الرئاسية، وقد بدأت منذ شهور كحصيلة نتاج جماعي يهدف إلى ربط تطلعات المجتمع المدني والأحزاب اليسارية، على أساس قاعدة برنامجية مشتركة.

وفي نهاية مرحلة التصفية الأولى التي اكتملت في 11 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تم اختيار عشر شخصيات ممن حصلوا على دعم مواطني كافٍ، أبرزهم عمدة باريس آن هيدالغو، وزعيم أقصى اليسار جان لوك ميلينشون، وزعيم الخضر أنيك جادوت، إلى جانب القادمة الجديدة الى السباق وزيرة العدل السابقة كريستيان توبيرا. 

وستتم خلال شهر كانون الثاني (يناير) الحالي دعوة الشخصيات المرشحة الى مناقشة برنامجها بهدف التصويت النهائي، الذي سيتم عبر الإنترنت بين 27 و30 من الشهر، ويجب على الفائز الالتزام بتعزيز القاعدة المشتركة للبرنامج السياسي. وهذه القاعدة المشتركة تضم 10 مقترحات للتغيير، مستوحاة من مطالب الحركات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، تتعلق بالمناخ والحريات والنظام الضريبي والعدالة الاجتماعية والوحدة الأوروبية.

فالناخبون اليساريون والبيئيون، بحسب صمويل غرزيبوسكي مؤسس المبادرة، يعدون نحو 15 مليوناً ويريد 85 في المئة منهم ترشيحاً موحداً، فيما يفضل 73 منهم أن يمر هذا المترشح من خلال الاقتراع.

يأتي ذلك في ظل حالة من الحيرة تعتري قطاعاً واسعاً من الفرنسيين، فالعديد من الناخبين لا يعرفون لمن يصوّتون حتى اليوم. فقد كشفت صحيفة “لوموند” هذا الأسبوع، أن فرنسياً من بين كل اثنين لا يعرف لمن سيصوّت في الجولة الأولى. ويبدو أن هذه المبادرة تبحث في أحد أهدافها غير المعلنة عن دعم هؤلاء الأشخاص المرتبكين انتخابياً.

وإذ بدا أن هذه المبادرة التي تحظى بدعم نحو 300 ألف مواطن حتى الآن، والنابعة من قلق القواعد الاجتماعية لليسار الفرنسي من هيمنة مديدة لليمين بكل فصائله على الحياة السياسية الفرنسية مستقبلاً، إلا أنها أيضاً يمكن أن تمثل الفرصة الأخيرة  لإنقاذ الوضع قبل الانتخابات الرئاسية، بل يمكن أن تقلب المعادلة المستقرة حتى الآن، والتي توحي بأن ماكرون ذاهب إلى الظفر بعهدة ثانية. لكن في المقابل، لا تحظى هذه المبادرة بموافقة جميع مرشحي اليسار. إذ يريد المرشحون القادمون من فريق الحزب الاشتراكي الذهاب في هذه الانتخابات التمهيدية، وعلى رأسهم عمدة باريس آن هيدالغو، التي عبرت منذ العام الفائت عن رغبتها في الخروج بمرشح يساري واحد، وكذلك وزيرة العدل السابقة في إدارة فرانسوا هولاند كريستيان توبيرا، التي أكدت في عمود نُشر في صحيفة “لوموند” أن “على اليسار، محاولة التقارب على الحد الأدنى الكافي للسماح بالحكم معاً لمدة خمس سنوات، وأن قوى اليسار، مرتبطة بمصير جماعي يتجاوز الرغبات الشخصية. وتأخذ على سبيل المثال صدمة المناخ والخدمات العامة وكذلك المدرسة. لكنها لم تنكر أيضاً نقاط الخلاف، لا سيما بشأن مسألة الاتحاد الأوروبي”.

في المقابل، أعلن جان لوك ميلينشون في أكثر من مناسبة أنه لن يكون جزءاً من هذه المبادرة، ولن يسحب ترشحه تحت أي ضغط، مشيراً إلى أن ما ينقص اليسار اليوم ليس الاتحاد، بل التعبئة. وبالنسبة إليه، لا يمكن أن تؤدي هذه المبادرة إلى التوافق في البرنامج السياسي، مردداً بسخرية عبر إحدى الإذاعات: “أقوم بحملة انتخابية من أجل أن يكون التقاعد في سن الستين مع 40 راتباً سنوياً. في المقابل، يقوم الاشتراكيون برفع سن التقاعد إلى 43 راتباً سنوياً، والذي حدده الرئيس السابق ساركوزي بــ 62 عاماً. فيما تعلن السيدة هيدالغو أنها تريد تقديسه في سن 62. ماذا سأقول بعد ذلك؟ ألن نتحدث عن التقاعد حتى لا نغضب أحداً”.

وفي السياق نفسه، يرفض زعيم الخضر يانيك جادوت أيضاً فكرة الانتخابات التمهيدية على اليسار. بالنسبة إليه، هو فاز بالفعل في انتخابات حزبه التمهيدية في أيلول (سبتمبر)، وهذا كافٍ ليكون مرشحاً للرئاسة، مشيراً الى أن هذه المبادرة مجرد “رغبة في كسر الجمود بفكرة مفاجئة” من جانب آن هيدالغو. كما أن مرشح الحزب الشيوعي فابيان روسيل لا يفكر أبداً في مسألة الترشح الأحادي اليساري. وقد بدا في أكثر من مقابلة مندهشاً من فكرة التجمع على برنامج واحد، في ظل الاختلافات الكبيرة التي تشق التيار اليساري، وبخاصة بين الوسط وأقصى اليسار.

وبقطع النظر عن الاعتراف بهذه المبادرة المواطنية أو لا، من طرف جميع مرشحي اليسار، فإن الانتخابات التمهيدية الشعبية ستحدث في كل الأحوال، وسيُجبر المرشحون، حتى أولئك الذين يرفضونها، على أخذ النتيجة في الحسبان، لأنه نسبياً تعبر عن المزاج العام للقواعد اليسارية، وتالياً الخزان الانتخابي لهذا الطيف، ذلك أن ديناميكيات الانتخابات التمهيدية ستجبر بعض المرشحين على التنازل أو الرضوخ لفكرة المرشح اليساري الموحد، أو على الأقل ستقلل من عدد مرشحي اليسار قبل تاريخ الاقتراع للجولة الأولى.

وبينما يأمل العديد من المرشحين أن يكون شهر كانون الثاني (يناير) فرصة للخروج بمرشح موحد لليسار، فإن التأهل إلى الدور الثاني يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، بخاصة أن الحاصل الانتخابي لجميع مرشحي اليسار حتى اليوم لا يتجاوز 25 في المئة.

شاهد أيضاً

انتقادات أميركية جريئة!

بقلم: جيمس زغبي – صحيفة “الجريدة” الشرق اليوم – مع التحول الملحوظ في المواقف الأميركية …