الرئيسية / مقالات رأي / في الذكرى الـ11 للثورة… لا خوف على تونس

في الذكرى الـ11 للثورة… لا خوف على تونس

بقلم: أسعد عبود – النهار العربي

الشرق اليوم- مرت الذكرى الحادية عشرة للثورة، وتونس تعيش حالة من القلق السياسي بسبب التجاذب الذي أحدثته الإجراءات الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز (يوليو) الماضي، وبينها تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية وترؤسه للنيابة العامة وإقالة رئيس الحكومة وتأليف حكومة جديدة.  

وعشية إحياء ذكرى الثورة، أعلن سعيّد عن خريطة طريق تتوج بإنتخابات تشريعية في 17 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، بعد أن يكون أطلق ما وصفه ب”إستشارة شعبية” إعتباراً من كانون الثاني (يناير) 2022 للإطلاع على رأي الناس في التعديلات الواجب إدخالها على النظام السياسي.

وعلى غرار الإجراءات الإستثنائية، لاقت خريطة الطريق، دعماً من مؤيدي سعيّد بينما انتقدها معارضوه وفي مقدمهم حركة النهضة التونسية، التي يترأس زعيمها راشد الغنوشي البرلمان المجمد.  

وقبل إجراءات 25 تموز، كانت تونس تواجه شللاً سياسياً، نتيجة المشاحنات التي كانت دائرة بين الرئيس من جهة ورئيس الحكومة المقال هشام المشيشي والغنوشي من جهة ثانية. وفاقم التوتر السياسي من تردي الوضع الإقتصادي للمواطنين في بلد محكوم بالتأقلم مع شروط صندوق النقد والبنك الدوليين، نظراً إلى إرتفاع المديونية التي تثقل كاهل المواطنين. 

وكانت تونس تعتبر قصة نجاح في مسيرة التغيير السياسي والانتفاضات التي شهدها العالم العربي عام 2011، لكن محاولات حركة النهضة احتكار السلطة بعد الثورة، أدى إلى توترات سياسية وانقسام في الشارع التونسي، وبدأت تندلع تظاهرات وتظاهرات مضادة. وحتى في السنة الأولى من عهد قيس سعيد، سعت النهضة إلى استغلال وجع الناس لوضعهم في مواجهة الرئيس .  

وبدا لوهلة أن الديموقراطية الناشئة في تونس مهددة وأن البلاد على وشك السقوط في انقسام أهلي غير بعيد عن العنف، علماً أن الشعب التونسي منذ إطاحة زين العبدين بن علي، تحلى بنسبة عالية من الوعي مما جنب البلاد الوقوع في فخ الحرب الأهلية التي وقعت فيها ليبيا وسوريا واليمن. وكان يُشهد للتونسيين أنهم تمكنوا من اجتياز أصعب المراحل التي مروا بها عقب الثورة.

بيد أن المجتمع الدولي وخصوصاً أوروبا لم تبدِ احتضاناً كافياً للتحول الديموقراطي في تونس، على رغم أن القادة الأوروبيون يطنبون ليل نهار في مديح الثورة التونسية وسلميتها. وعندما اتخذ سعيّد إجراءاته الإستثنائية، انطلقت تحذيرات في الغرب من مغبة “انقلاب” ينفذ للعودة بالبلاد إلى الحكم الفردي. لكن في الوقت نفسه لم يتحرك الخارج لإنقاذ تونس من حالة الشلل الإداري والسياسي التي أصيبت بها بسبب الخلاف بين الرئيس ورئيس البرلمان، لا سيما أن وباء كورونا كان يفتك بتونس في تلك الفترة على نحو خطير، مما زاد من حالة التخبط الأقرب إلى الفوضى. 

كان على أحد في تونس أن يضرب يده على الطاولة ويصحح المسار. وقد تكون الإجراءات التي اتخذها الرئيس غير مثالية بالنسبة إلى نظام ديموقراطي. لكن بين الغرق في الفوضى الموصلة إلى العنف وانفجار الشارع، وبين فرض بعض القيود المؤقتة على الحريات، وإنتشال البلاد من الجمود القاتل، فربما يكون سعيّد قد اتخذ القرار الصحيح. وذلك يبقى للتاريخ كي يحكم عليه. 

ما كان لتونس أن توفر نسبة عالية من الاستقرار والحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير ولو بالحدود الدنيا، من دون الإجراءات التي اتخذت في 25 تموز. واليوم يتظاهر المؤيدون لسعيّد والمناهضون له في وقت واحد. وهذا دليل على أن الديموقراطية التونسية لم تمت،  وأن ما تحقق في ثورة 2011، على صعيد نجاح الناس في التعبير عن آرائها بحرية من دون أن تتعرض للاعتقال أو التنكيل، لا يزال محافظاً عليه. 

إن حرية الاختلاف أمر طبيعي. لكن الغرق في الفوضى واستغلال الشارع للتمسك بالسلطة ولغايات سياسية، تلك هي أبشع صور الإنتهازية التي لن تتوانى عن اللجوء إلى الفتنة كي تحقق أهدافها.   

شاهد أيضاً

أرض الخناجر المعكوفة!

بقلم: محمد الرميحي- النهار العربيالشرق اليوم– “السباق إلى المكلا” هو الكتاب الثاني للخبير العسكري والأكاديمي …