الرئيسية / مقالات رأي / البحث عن البطل المُنقذ لشيعة العراق

البحث عن البطل المُنقذ لشيعة العراق

بقلم: د. ماجد السامرائي – العرب اللندنية

الشرق اليوم- حِرْص كاتب القصة أو الرواية بأي مضمون عاطفي أو سياسي في بناء معمار قصته أو روايته يعتمد على قدراته الإبداعية بحياكة نسيج الأحداث ووصولها إلى نقطة “الذروة”. وما يعيشه العراقيون في اللحظة الراهنة هو الاقتراب من حالة التوتر القصوى في قصتهم الدرامية، وهم بحاجة إلى البطل، أو ما سمي في الموروث الشعبي “البطل المنقذ” في قصة لا تشبهها قصص شعوب أخرى في عمق مأساتها.

المثقفون العراقيون الحقيقيون، وليس وعّاظ السلاطين، أكثر حذراً من غيرهم في الارتهان إلى مشروع المنقذ خشية وقوع الشعب تحت صدمة خيبة جديدة أكثر إيلاماً من الواقع المأساوي الحالي؛ بعضهم يفضّل البقاء تحت مسار الحركة البطيئة للتغير.

أما المفكرون والسياسيون الملتزمون بقيم الوطن، الحاملون لمستويات عالية من رصيد معاناة الوقائع العراقية اليومية منذ أن وطئت أقدام الغزاة أرض العراق من طرفي تحالف الشر الولايات المتحدة وإيران، هؤلاء من النخب الفكرية والسياسية رغم اقترابهم من الحدس التحذيري بعدم الانجرار إلى القبول بفكرة البطل المنقذ لكنهم يسعون لتخفيف الخيبة بمحاولة ترتيب ما يسمى في السياسة تفكيك جبهة الخصم والوقوف إلى جانب الطرف الوطني ضد أصحاب المصالح سرّاق الشعب وظالميه.

لعل أكثر ما يواجه حركة هذا الديالكتيك الفكري السياسي في الزعامة العراقية بعد 2003 هو حالة الجمهور الشعبي غير المُستقر، والغامض في خياراته، بسبب وقوعه تحت تأثيرات أوهام عقيدة دينية مذهبية وتقلبات شعارات مروجيها، شعارات تحاور مأساة الضحية لكنها بسبب تخلفها لا تضع حلولاً للانتقال إلى حلم حياة الأمن والاستقرار والرخاء المادي.

هذا التوصيف الفكري والأدبي والسياسي قد تُقبل محاكاته للحظة السياسية الراهنة التي يعيشها العراقيون في سياق حلقات مأساتهم الكبيرة في البحث عن حياة الاستقرار والأمن، رغم أن سياق هذه اللحظة، بعد هزيمة الولائيين في الانتخابات الأخيرة، لا يرقى إلى مستوى التحوّل السياسي المطلوب إذا ما انساق الزعيم الشيعي مقتدى الصدر إلى المهادنة والخضوع لضغوط اللعبة المستدامة من قوى الشرّ والنصب والاحتيال والسرقة.

لا أدعو إلى القبول بصورة المنقذ البطل بصورة مطلقة، لكنني أجد في استعارتها للوضع السياسي داخل الساحة الشيعية اليوم حالة مقبولة للانتقال بالواقع الراهن إلى مرحلة أقل تراجيدية وألماً للعراقيين. يمكن القبول افتراضياً برمزية المزاوجة وطنياً بين الديني والسياسي إذا ما استطاعت العمامة العربية الصادقة تقديم حلول إنقاذية مرحلية في لعبة تقاسم السلطة، رغم انتمائها إلى نظام سياسي رثّ صنعه الاحتلالان الأميركي والإيراني بشراسة ضد شعب كان يمكن أن يعيش حياة مستقرة هانئة أفضل بما يمتلكه من إمكانات هائلة.

يمكن وصف إرهاصات فعالية الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الحالية في مجابهته لقوى الشر المُغلفة بشعارات المذهب الجعفري كذباَ ورياء بأنها محاولة شخصية للدفاع عن معتقدات وسمعة والده وعائلته قبل أن تكون حلاً سياسياً وسطياً فيها قدر من الإصلاح التدريجي، وليس الانقلاب الثوري كما يحلم به العراقيون. هناك قدر من المجازفة في استثمار هذه المحاولة الجريئة لصالح مشروع التغيير الوطني.

توصف شعارات الصدر الأخيرة، بعد فوزه الانتخابي، بأنها خروج عن المألوف التحزبي الشيعي الذي لم يتردد قادته من التمادي والتجاوز والعدوان على أبسط الحقوق الإنسانية للمواطن العراقي، الشيعي خاصة، وضرب التقاليد الانتخابية بأدوات السلاح، وليّ مرجعيات القوانين لتحويل المهزوم إلى منتصر.

هناك صراع بين القطبين الشيعيين وصل إلى مرحلة لم تبلغ حد الحسم في رضوخ الضعيف المنهزم أمام القوي المنتصر، ليس من السهولة استسلام القوى الظلامية لما تعتقده، وهماً وكبرياءً، من أن امتلاكها للسلاح ممزوجا بما استوردته من أساليب الغدر وعرضها على القطب المنتصر انتخابياً سيؤجل هزيمتها.

من بين أكثر تلك الأساليب المُلقّنة من مركز الولي الفقيه اختراع عنوان “مقاومة الأميركيين” من قبل الميليشيات، ووضعه في ساحة اللعبة المحسومة كغطاء متأخر ممزق في إهانة مباشرة للعقل العراقي.

هذا الشعار ظهر فجأة وكان مختبئا لثمانية عشر عاماً. ما أظهره، بعد مقتل قاسم سليماني وأبومهدي المهندس، هو طلب مقتدى الصدر حل الميليشيات وتسليم أسلحتها. الميليشيات تعتقد أنها تغّطي هزيمتها الاستراتيجية بحملة التعبئة الحالية عبر شعارات لا يراها ولا يسمعها غير المجموعة الشرسة من القيادات الوسطية لتلك الميليشيات، المنفذة لحملات النهب والسطو المسلح على ممتلكات وأموال الناس ومراكز التجارة المتعددة، هؤلاء يعيشون اليوم حالة الهلع من فقدان إمبراطوريتهم المافيوية.

لإيصال شعارات التعبئة التي تنأى الفضائية العراقية الحكومية عن نقلها تستخدم منابر فضائيات “الاتحاد الإسلامي” المدعومة من طهران، والتي لا يشاهدها أو يسمعها غير نفر محدود من المرتزقة لتعميم حالة التعبئة وفق شعارات مثل “إن يوم الوعد قادم بعد منتصف ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر 2021” بعد تجنيد 43 ألف متطوع جديد وظهور بعض الولائيين المتخلفين على تلك الفضائيات التي يرأس اتحادها المدعو حميد محمود حسين علي الحسيني، الذي صدر بحقه مؤخرا أمر بإلقاء القبض عليه وفق المادة “أربعة إرهاب” نقلاً عن تقرير الفضائية الروسية “آر.تي”.

في مثال التجاوز على حرمة أسوار الدولة بالاعتداء المسلح على رمزية من رموزها (رئيس الوزراء) لا يهم ترّدد الضحية في الإفصاح عن جهات وأسماء المتورطين بمحاولة قتله، رغم إعلانه للشعب بأنه يعرفهم، تجنباً لاحتمالات تكرار عملية الاغتيال رغم أن الجرأة والصراحة في مثل هذه المواقف تتجاوز حالة المزاج الشخصي إلى كونها ضرورة وطنية، وإحدى مواصفات الزعيم والمسؤول الحكومي القائد العام للقوات المسلحة في العراق.

في هذه اللحظة التاريخية، وفي منعطف فضحية الهزيمة الاجتماعية والسياسية للميليشيات وأحزابها، يُحسب للصدر إعلانه عن مشروع الصراع ضد مراكز تلك الكتلة الفاشلة الفاسدة التي نهبت أموال الناس وحقوقهم الدنيا، وحولت الملايين من شباب العراق إلى مجاميع مُهمشة في الحياة بلا مستقبل.

قد يُبرر للكثيرين من العراقيين خوفهم من تعطّل محركات هذا المشروع منتصف الطريق باحتمال عدم مواصلة الصدر لهذا المشروع الوطني الحيوي ودخوله غرف المساومات السرية ثم العلنية وبذلك تحصل صدمة الإحباط وتنتكس الأحلام والآمال، ويعود إلى المسرح مجدداً الموصوفون بفضائح القتل والفساد وعسكرة المجتمع والتبعية العقائدية للمتنفذ الإيراني بفعاليات أقسى من فصول ميراثهم الإجرامي.

إذا ما حُسِبت قوى طرفي الصراع داخل المشهد السياسي الشيعي اليوم بصورة أعمق من الشكليات التي تتحرك وفقها، فهي تشير إلى أن الهزيمة الانتخابية للمعسكر الولائي تتجاوز حِرَفية الحدث إلى هزيمة حقيقية أمام العراقيين الذين عبروا في ثورة أكتوبر 2019 وغيرها من الوقفات الشعبية قبلها حتى وإن لم يعترف المهزوم بهزيمته.

جمهور مقتدى الصدر الذي وثّقته أصوات الانتخابات الأخيرة هو أنموذج لفكرة المنقذ البطل الشعبوي داخل الطائفة الشيعية والفعاليات السياسية في سياق الظرف الخاص الذي عززت مظاهره أبجديات دستورية وأعراف سياسية خاصة بحركة النظام السياسي القائم لا يمكن إزالتها في الأيام الحالية بسهولة.

إذا ما صمد الصدر في مشروعه بين جمهوره الشيعة ونجح بنسب أولية يمكن أن يتطور ويتحول إلى مشروع وطني عراقي للتغيير.

الانتظار مقبول أمام عتبة بوابة البطل الرمز المنقذ لشيعة العراق قبل أهله جميعاً.

شاهد أيضاً

Project Syndicate: ماذا حدث للقوة الناعمة؟

الشرق اليوم- لا أحد يستطيع الجزم بأي قدر من اليقين بشأن مسار القوة الناعمة في …