الرئيسية / الرئيسية / ستراتيجكس: المحاولات الإيرانية لإصلاح العلاقات مع الأردن.. رسائل ومتغيرات

ستراتيجكس: المحاولات الإيرانية لإصلاح العلاقات مع الأردن.. رسائل ومتغيرات

بقلم: حازم سالم الضمور

ملاحظة من المحرر: بتاريخ 20 أكتوبر وخلال إعداد هذه المادة تعرضت قاعدة التنف العسكرية لهجوم مزدوج من طائرات بدون طيار وصواريخ، حيث أعلن مسؤولون أمريكيون أن الولايات المتحدة تُحمل إيران المسؤولية المباشرة للهجوم.

الشرق اليوم– تدعو التحركات الإيرانية الأخيرة تجاه الأردن، للافتراض أن تطوراً ملحوظاً قد تشهده هذه العلاقات مدفوعة بعدة متغيرات ومناخ إقليمي تصالحي، وعليه تناقش هذه الورقة دوافع إحياء العلاقات وكذلك التحديات التي تواجهها.

مؤخراً بادرت طهران من خلال وزير خارجيتها، حسين أمير عبد اللهيان، إلى محاولة بث الروح في العلاقات مع عمّان، وذلك من خلال الاتصال مع نظيره الأردني، أيمن الصفدي، في 12 أكتوبر الماضي لمناقشة العلاقات الثنائية، وهو اتصال حمل الكثير من الرسائل التي أشار إليها بيان وزارة الخارجية الإيرانية، حيث عبر عبد اللهيان عن رغبة بلاده ببناء علاقات ودية وأخوية مبنية على الاحترام المتبادل مع دول المنطقة، وطالب بتعزيز العلاقات بين البلدين من خلال استغلال الفرص والإمكانيات الاقتصادية والتجارية في المنطقة”، و “أعلن عن دعم طهران للحوار والتعاون الإقليمي بعيدا عن التدخلات الخارجية، واعتبر أن تعزيز العلاقات بين بلدان المنطقة عنصرا لتوفير الأرضية المناسبة للازدهار الاقتصادي والاستقرار في المنطقة”، وأنه “عبر عن دعم طهران للوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف أمام محاولات إسرائيل فرض وصايتها على هذه الأماكن”، بالإضافة إلى “شرح موقف إيران بشأن إجراء استفتاء عام يشارك فيه سكان فلسطين الأصليين لتقرير مصيرهم، ورفض طهران لجميع الخطط المفروضة التي تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني وتساعد على استمرار الاحتلال”.

فما دلالات هذه الرسائل؟ وما هي المتغيرات التي جاءت في سياقها؟ وما هي النتائج المحتملة التي يُمكن أن تؤول إليها في ضوء التقاطعات المحتملة ما بين السياستين الخارجيتين للأردن وإيران؟ 

أولى هذه المتغيرات تمثلت بتسلم الرئيس الديمقراطي بايدن لمقاليد إدارة البيت الأبيض، وطي صفحة سياسات الرئيس الجمهوري السابق ترامب الخارجية، وما تبع ذلك من تطور في ملف المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا، والمتوقع أن يفضي للتوصل إلى اتفاق نووي يشابه ما تم التوصل إليه عام 2015. أما أردنياً فقد كان جميع الفاعلين الإقليميين يلاحظون محاولة الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، الالتفاف على الدور الجيوسياسي للأردن، على الصعيد الأمني والدبلوماسي، ومحاولة التعامل معه كمُلحق وليس كفاعل، لكنّ ما يُمكن تسميته بـ”الصبر الاستراتيجي” لعمّان مكنها من تجاوز المرحلة العصيبة، وإعادة العلاقات الديناميكية مع واشنطن في ظل إدارة بايدن الديمقراطية، والأهم: تفعيل اتفاقية التعاون الدفاعي بين حكومتي البلدين في فبراير الماضي.

ويشكّل هذا المتغير الدولي، دفعة للسياسة الخارجية للدولتين (الأردن وإيران)، وفرصة لالتقاء المصالح في الفضاءات الإقليمية، بل وفرصة لأرسال رسائل ايرانية للإدارة الأمريكية من خلال عمّان.

أما ثاني المتغيرات، فتمثل في قيادة الأردن للجهود الدبلوماسية العربية من أجل إعادة سوريا للجامعة العربية، بتنسيق أردني- روسي بشأن ذلك، وخطوات التقارب الهامة التي تم انجازها بين البلدين، كإجراء وفد حكومي سوري يضم وزراء الاقتصاد والتجارة الخارجية والموارد المائية والزراعة والإصلاح الزراعي والكهرباء وعلى مدى يومين في عمان مباحثات حول سبل تعزيز علاقات التعاون بين البلدين، وزيارة وزير الدفاع السوري العماد علي عبد الله أيوب الى عمّان واجتماعه مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردني يوسف الحنيطي، ل “بحث علاقات التعاون بين الجيشين الشقيقين وآفاق تطويره”، وقرار إعادة فتح الحدود الأردنية السورية (معبر جابر الحدودي)، وتلقّي جلالة الملك عبد الله الثاني في 3 أكتوبر اتصالاً هاتفيا من الرئيس بشار الأسد تناولا فيه “العلاقات بين البلدين الشقيقين وسبل تعزيز التعاون بينهما”.

ويشكّل هذا المتغير، غير المعزول عن المتغير الأول، نجاحاً كبيراً للسياسة الخارجية الأردنية، في نفس الوقت الذي يشكّل فيه “تحدياً” كبيراً للسياسة الخارجية الإيرانية، وهو تحدٍّ يفرض على الثانية “إعادة النظر” في مستقبل علاقاتها بالأردن، خاصة بعد جملة “الرسائل الموازية” التي أرسلتها الأردن في المرحلة الحالية، وما قبلها، ومن ضمنها: الرسائل التي بعثها الملك عبد الله الثاني في مقابلته مع شبكة “CNN” الإخبارية الأمريكية نهاية يوليو الماضي، كتعرض الأردنّ للهجوم من طائرات مسيّرة إيرانية الصنع خلال العام الماضي، وأنه “تم التعامل معها”، وتوضيحه لتحذيره السابق في العام 2004 من خطر تشكّل “الهلال الشيعي”، مبيّناً أن المقصود هو “وجهة نظر سياسية”، بمعنى نزع/تحييد الصفة “المذهبية/ الطائفية” عن صراعات المنطقة وتجاذباتها السياسية.

دبلوماسية التوازن الحذر

لذلك من الممكن القول، أنّ الأردن قام ببناء دبلوماسيته تجاه إيران خلال ما مضى من عقد ونصف تقريباً، على عدم اللجوء إلى التعاطي الدبلوماسي العميق مع طهران دون سند إقليمي ودولي، خاصة من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، وبالعمل المتأني مع كل من سوريا والعراق ولبنان لتمتين ارتباطها بمحيطها العربي، في سياق دبلوماسية أردنية يمكن أن نسميها “دبلوماسية التوازن الحذر”، حيث تميّزت تلك الدبلوماسية مثلاً بترحيبها بالاتفاق النووي الإيراني عام 2015 ورفضها القاطع لأي تدخل عسكري ضد إيران بسبب ملفها النووي، على الرغم من نقاط الخلاف الرئيسة مع إيران، في قضايا العلاقات مع الولايات المتحدة وعملية السلام والتدخل الإيراني في الشؤون العربية، وغيرها. وهي خلافات لم تمنع عمّان من محاولة كسر جليد العلاقة مع طهران، حين زار وزير الخارجية الأردني السابق، ناصر جودة، طهران في مارس 2015، ليقترح حينها، على الرئيس حسن روحاني، إجراء حوار إيراني -عربي حول الأوضاع الإقليمية، باعتبار أنّ إيران فاعل مؤثر في المنطقة، إلّا أنّ هذه الدعوة لم تلق آذاناً صاغية لدى الساسة الإيرانيين آنذاك.

يضاف إلى ذلك أنّ الأردن أثبت متانته داخلياً وبالتالي خارجياً، وقدّم نموذجاً لا يمكن تجاهله للاستقرار السياسي وإدارة الأزمات الشائكة وسط محيط إقليمي دائم الاضطراب، وهنا يُمكن فهم الرغبة الإيرانية في إنعاش العلاقات الثنائية، لكن يجب مراعاة أنّ إيران معنية ببعدين آخرين لهذا التوجه المُفترض، يُمكن إجمالهما بالتالي:

النفوذ الاقتصادي الإيراني

يُعتبر الأردن هو الأقرب جغرافياً من مناطق النفوذ الإيراني باستثناء اليمن، حيث هناك 181كم تربطه مع العراق، 375كم تربطه مع سوريا وبالتالي لبنان، وهنا لا تريد طهران أن تؤثر العلاقات الاقتصادية التي ينخرط في الأردن مع كل من بغداد والقاهرة في إطار مشاريع الشراكة الثلاثية، أن تؤثر على الحضور الاقتصادي الايراني هناك، حيث تتضمن إحدى هذه المشاريع تصدير الكهرباء من مصر والأردن إلى العراق الذي يعاني أزمة نقص كهرباء مزمنة.

إن تنمية العلاقات الأردنية العراقية في إطار العلاقات الثنائية أو المتعددة العربية، بالتوازي مع عدم المرور بالبوابة الإيرانية، هو ما يستفز طهران ويفرض معادلة دبلوماسية جديدة من المرجح أن ينتج عنها تشبيك اقتصادي أعمق بين العراق ومحيطه العربي، وهو ما يستدعي أيضاً دفع إيران للتنازل في الإقليم وتفعيل الآليات الدبلوماسية، وليس تحجيم الدور العربي في العراق.

يُمكن النظر إلى الحالة ذاتها في سوريا، فعلى الرغم من الأجواء السلبية التي سادت العلاقات الأردنية السورية في بداية الأزمة في 2011، إلا أنّ العلاقات الدبلوماسية لم تنقطع ولم يتم إغلاق السفارة السورية في عمّان، كما حصل في العديد من العواصم العربية، والآن يقود الأردن وعلى أعلى المستويات الجهود الدبلوماسية العربية بهدف إعادة سوريا إلى حاضنتها الطبيعية والتاريخية في الإقليم، وأيضاً من خلال مشاريع اقتصادية مثل إعادة تصدير الكهرباء والغاز من مصر والأردن من خلال خط الغاز العربي وشبكة الربط الكهربائي عبر سوريا وإلى لبنان.

في هذا الواقع الجديد، لا يريد الأردن أن يحاصص إيران على النفوذ الإقليمي، ومن هنا جاء تصريح وزير الخارجية أيمن الصفدي في سياق الاتصال الهاتفي مع نظيره الإيراني “المملكة تعمل دائماً من أجل الحوار، وتريد علاقات إقليمية صحية، قائمة على مبدأ حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”، بمعنى آخر عمّان لا تريد أي شيء إلا إفهام الإيرانيين أنّ شكل تفاعلهم الحالي الممتد منذ ما بعد الـ1979 لم يعد صالحاً وأضر بالمنطقة وشعوبها وتركيبها الاجتماعي والثقافي، وربما أضر بإيران نفسها وصورتها الدولية، كدولة تتدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها.

هذا يُمكن الاستعاضة عنه من وجهة النظر الأردنية بعلاقات اقتصادية ودبلوماسية إيرانية مع دول المنطقة، من دون أن تكون هذه العلاقات ذات حامل أمنى وطائفي، ما يطرح السؤال عن إمكانية التنازل الإيراني كلياً أو جزئياً أمام هذا الطرح. 

العسكرة والأمن

قد تكون الاتفاقية العسكرية الدفاعية الأردنية الأمريكية أبرز حدث استراتيجي في المنطقة خلال العام الجاري، فالاتفاق على التواجد العسكري الأمريكي على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية، هو ضمانة لعدم قيام التنظيمات المسلحة في العراق وسوريا والمدعومة من إيران باي نشاط أمني في تلك المناطق، ما يؤمن إلى حد ما الطرق التجارية الأردنية العراقية والأردنية السورية، وقس على ذلك مشاريع الربط الطاقوي الحالية والمستقبلية. بالإضافة إلى أن الاتفاقية المذكورة تشكّل “توازناً رادعاً” في مواجهة تمركز القوات الإيرانية في مثلث “الحدود الأردنية العراقية السورية”. 

فبالمعنى السياسي، قد تكون هذه الاتفاقية هي عبارة عن وسيلة أمريكية للضغط العسكري على إيران والوقاية من احتمالية نشاط الخلايا المسلحة النائمة، وتعزيز أردني لأمن حدوده، وغيرها من التوجهات التي تعيد تعريف الأردن على خريطة العلاقات الإقليمية وحتى الدولية كوسيط ورقيب وفاعل أمني وسياسي.

إعادة التعريف هذه ظهرت من خلال الاستجابة الروسية للمطالبات الأردنية المتكررة بضرورة تراجع التنظيمات المسلحة المدعومة إيرانياً عن الحدود الأردنية كشرط أولي لإعادة فتح الحدود، وهذا ما أكد عليه جلالة الملك عبدالله الثاني في زيارته إلى موسكو في أغسطس الماضي، مع الأخذ بعين الاعتبار التنافس الكامن بين روسيا وإيران في سوريا، وعدم رغبة موسكو بوجود تنظيمات مسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية.

أصبح الأردن محوراً مركزياً تتشابك فيه المصالح الروسية والأمريكية، فيما يخص الملف السوري تحديداً، وهنا تأمل إيران بأن تعود سوريا إلى علاقاتها الطبيعية مع الدول العربية، على الأقل للحد من الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها السكان هناك، وفي نفس الوقت الحفاظ على تواجدها العسكري.

بناء على ما سبق، من المبكر توقع تقدماً كبيراً في محاولات إيران لإصلاح علاقاتها بالأردن، حيث يبدو الأردن أقل “حماساً” وأكثر “تريثاً” من إيران، وحيث لا بد من الاعتراف بأنّ عمّان استطاعت تخطي العديد من الصعوبات خلال العقد الأخير، ما أكد على أنها رقم إقليمي صعب، لا يُمكن تجاهله على الصعيد الجيوستراتيجي إن أرادت أي دولة التفاعل مع هذا الإقليم المعقد.

لكن هذا لا يجب أن يُفهم منه أنّ الأردن لا يريد علاقة مع إيران وفق شروط صارمة، فعلى سبيل المثال ليس من مصلحة الأردن أمنياً على الأقل أن ينشب تصعيد عسكري بين إسرائيل وإيران، كما ليس من مصلحته أن يسبقه شركاؤه الإقليميون بأشواط طويلة على طريق التفاهم مع إيران، وذلك إدراكاً لأهمية تنويع الخيارات الدبلوماسية وبالأخص مع دول مركزية في المنطقة مثل إيران، وتجنباً لضغط تفاهم الدولة الإقليمية المعنية مع إيران على السياسة الخارجية الأردنية.

يستمر صانع القرار الأردني بتوظيف موقعه الجغرافي بحنكة سياسية عالية، فبعد عقد من عدم الاستقرار الإقليمي، وصل الأردن إلى مرحلة يسعى فيها إلى نقل أنشطته الاقتصادية إلى الإقليم، بالتوازي مع اشتباك دبلوماسي يحمي هذه الأنشطة، ويحقق ردعاً أمنياً بالتعاون مع الحلفاء الدوليين، في ضوء سياسة خارجية قائمة على مبدأ حُسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الإقليم، وهي سياسة تسعى دائماً للحفاظ على علاقات ودّية مع جميع دول العالم، مع تمسُّك الأردن بمصالحه الوطنية وثوابته السياسية، وضمن انتمائه العربي الإسلامي.

المصدر: مركز ستراتيجكس للدراسات والأبحاث

شاهد أيضاً

تقرير: أيهما الأفضل بالأرقام.. “موديرنا” أم “فايزر”؟

الشرق اليوم- أظهرت دراسة جديدة أن لقاح موديرنا أكثر فعالية، بقليل، من نظيره فايزر/بايونتيك، على …