الرئيسية / مقالات رأي / فرنسا.. أزمة الدور وعقدة التاريخ

فرنسا.. أزمة الدور وعقدة التاريخ

بقلم: د. فايز الشهري – صحيفة “الرياض”

الشرق اليوم – الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” (الاشتراكي والمصرفي السابق في بنك روتشيلد) ظاهرة سياسيّة غير معهودة وبدا ذلك واضحا منذ انتخابه رئيسا في مايو 2017 بعمر 39 سنة ليصبح أصغر رئيس في تاريخ فرنسا. كان “ماكرون” دوما مثار الجدل في تحوّلاته وزواجه ثم مع بَدْء نشاطه الرئاسي حين أثار ضجة كبرى في قمة العشرين بمدينة هامبورغ (يوليو 2017) من جرّاءِ ردّه على سؤال حول دور فرنسا في تنمية أفريقيا حين قال إن “مشكلة أفريقيا حضاريّة” حيث النساء الأفريقيات ينجبن “سبعة أو ثمانية أطفال”. ثم توالت تصريحاته المثيرة عن “أزمة الإسلام” وإعلان دعمه للرسومات المسيئة للدين الإسلامي.

خلقت فرنسا ماكرون لنفسها أزمات عدّة مع بلدان مثل مع تركيا والولايات المتحدة وأستراليا والجزائر حتى مالي التي استدعت السفير الفرنسي للاحتجاج على “التصريحات غير الوديّة والمهينة”. كما تحرّش “ماكرون” بالتنين الصيني في موضوع “تايوان” وباع أسلحة لتايوان وأرسل وفودا إلى تايبيه. ويضاف إلى سلّة الأزمات حرب التصريحات مع بريطانيا وآخرها ما صرّح به رئيس وزراء فرنسا “جان كاستيكس” حول إعادة النظر في “العلاقات الثنائيّة” مع بريطانيا، على خلفيّة الخلاف الممتد على حقوق الصيد بين البلدين. تتحرّك فرنسا ماكرون اليوم في محيط السياسة الخارجيّة بين عقدتين مركزيتين الأولى ماضيها الاستعماري الذي تحاول التطهّر منه بالمزيد من الخوض في مستنقعات الأزمات الدوليّة. أما العقدة الثانية فتكمن في تعقيدات “التكليف الأميركي” لباريس بمباشرة الإشراف على مخلّفات الفوضى الخلّاقة في الشرق الأوسط والدول غير ذات الأولويّة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة الحاليّة. ويبدو أن “ماكرون” مبتهج لهذا الدور حيث لا يكاد يستقرّ في عاصمة حتى يتّجه إلى أخرى مستمتعا بإطلاق تصريحات من نمط “فرنسا لن تسمح”. تنقّل “ماكرون” خلال حوالي عام بين عواصم ومدن الأزمات من بيروت إلى بغداد ثم الموصل وأربيل في كردستان مع تصريحات “فرنسيّة فاخرة” يغيب عطرها مع أفول شمس يومها. وفي خضم الركض في كل اتجاه وجد “ماكرون” نفسه ينظّم “قمة” “أفريقيا – فرنسا” هذا الشهر (8 أكتوبر) بحضوره فقط مع عشرات الشباب الأفارقة اليائسين لمناقشة مستقبل أفريقيا وأطلق وعودا لا يملك إنجازها إلى جمهور لا يملك قرارا ولا سلطة.

ربما يصحّ القول إن السياسة الخارجيّة الفرنسيّة أصبحت ضائعة وَسْط الحشود “lost in the crowd” كما وصفها محلّلون. فهي مع أزماتها الداخليّة تترنّح بين شهوة زعامة أوروبا الشاغرة، والحفاظ على “الإطراء” الأميركي، ومواجهة أزمات مستعمراتها السابقة في أفريقيا (تمسك فرنسا باحتياطيات وطنيّة لـ 14 دولة أفريقيّة في بنكها المركزي).

شاهد أيضاً

بوتين وكيم.. وتحدي الغرب

الشرق اليوم- في إطار الصراع المحتدم على مساحة العالم من خلال الحروب والصراعات والحصار والعقوبات …