الرئيسية / مقالات رأي / طهران وواشنطن وخيار التفاوض بالنار

طهران وواشنطن وخيار التفاوض بالنار

بقلم: مصطفى فحص – الحرة

الشرق اليوم- ليس من الضروري أن يؤدي التوتر المتصاعد في منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي إلى صدام حتمي بين الأطراف الإقليمية الفاعلة والقوى الدولية الموجودة في هاتين المنطقتين، إلا أن مستوى التهديدات والاتهامات المتبادلة وصل إلى مرحلة تنذر بحدوث تغير في قواعد الاشتباك، إذا أخطأ أحد الأطراف في حساباته التكتيكية ودفع المواجهة إلى خيارات إستراتيجية.

الحديث عن احتمالية تغير في قواعد الاشتباك في هذه المرحلة، وعدم ربطها بجولات سابقة من التصعيد والاحتكاكات الخشنة التي جرت بين القوى المتصارعة، وجرى تسويتها بالأطر الدبلوماسية والتفاوضية، يرتبط بتغير طبيعة المقاربة التي اعتمدتها الأطراف في حل نزاعاتها أو حتى في مواجهاتها.

فما بين مقاربة سابقة التزمت بالخيارات التفاوضية والعقوبات الاقتصادية واستخدمت الحروب الإلكترونية ولجأت إلى ضربات بالوكالة من دون تبنيها رسميا، ومقاربة جديدة تطالب بإجراءات عقابية واضحة وصريحة، تقترب المنطقتان من مواجهة ما، وذلك نتيجة مقاربة سابقة سلمت بثوابت لم تعد مقنعة، وفضلت أن تلتزم بقواعد جيوسياسية وجيوستراتيجية تجاوزت مصالح بعض الأطراف الوازنة في المنطقة، ومن الممكن القول إن ما يمكن وصفه بميوعة المعالجات السابقة، قد أدى إلى الحديث عن ضرورة وضع مقاربة أخرى حتى لو كانت مكلفة.

في المقاربة السابقة دفعت شعوب ودول المنطقة الثمن، نتيجة سياسات دولية وإقليمية لم تراع أدنى حسابات المصالح الوطنية، واختارت التواطؤ مع أصحاب المشاريع الخارجية تحت ذريعة مواجهة نفوذها من دون الأخذ بعين الاعتبار أن مراعاة هذا النفوذ والتعامل مع منطقه الجيو عقائدي أدى إلى صراعات طائفية وحروب أهلية هددت الاستقرار العالمي، وبأن وضع حد له بات يحتاج إلى مخارج غير دبلوماسية.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل انتهت الدبلوماسية ما بين طهران وواشنطن؟ هل عادت مفاوضات فيينا النووية إلى نقطة الصفر؟ وهل باتت الحالة الإيرانية العقائدية تشكل فعليا خطرا على المصالح الأمريكية في هاتين المنطقتين الأمر الذي قد يستدعي الذهاب إلى خيار التفاوض بالنار؟

عمليا الثوابت الجيوسياسية التي فرضها التخادم (الأمريكي الإيراني الإسرائيلي) في المنطقة بداية من سقوط صدام حسين حتى الثورة السورية، تمكن من فرض أمر واقع إستراتيجي لا يمكن التنصل منه بسهولة، فواشنطن التي سهلت الهيمنة الإيرانية على العراق، وإسرائيل التي غضت الطرف عن الوجود الإيراني في سوريا تحت مصلحة الحفاظ على النظام الذي نعرفه، يضاف إليهما الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما الذي أضفى شرعية على النفوذ الإيراني في اليمن ولبنان، أصعب من أن تتم معالجته من خلال عملية تأديبية أو خيار الاحتكاك الخشن.

إنسداد الأفق التفاوضي النووي، وخطر إبقاء الوضع العراقي على ما هو عليه، صعوبة إيجاد مخرج لأزمة النظام السوري، واقتراب لبنان من لحظة الارتطام الكبير، يدفع إلى الاعتقاد أن هناك ما هو أكبر من احتكاك أو عقوبات أو ضربات تأديبية، فحتى طهران التي تستعد لمواجهة قد تقدم عليها واشنطن ولندن، هناك من في داخلها يرى بأن التصادم سيجبر الجميع على العودة إلى طاولة المفاوضات، وحتى حزب الله الذي يتقن المواجهات التكتيكية يستغل المساحات الممكنة ضمن قواعد الاشتباك من أجل إعادة تحصين الوضع الداخلي بعد تداعيات انتفاضة تشرين وجريمة 4 آب.

الملفت في أزمة الناقلة “ميرسر ستريت ” أن طهران تحولت من مشتبه به إلى متهم مباشر بالحادثة، وبعد عدة أشهر على حرب الناقلات في مياه الخليج وبحر العرب، وجهت قوى غربية الاتهام إلى إيران بأن أفعالها باتت تهدد سلامة الملاحة الدولية، وسبق هذا الاتهام تصريحات صدرت عن وزارتي خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا تتوعد طهران برد عقابي على هجومها، لكن الأخطر في المتغيرات أن الولايات المتحدة التي ضبطت إيقاع الاشتباك الإيراني الإسرائيلي في المنطقة الذي لم يؤثر سابقا على مفاوضات فيينا، لأول مرة تعطي ضوءا أخضر علنيا لإسرائيل في التحرك ضد إيران، وهذا ما جاء واضحا على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض “أن لإسرائيل حرية اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة بشأن إيران”.

وعليه لا يبدو أن طهران ستتراجع أمام هول التهديدات، وهي قد لوحت بورقة الحدود اللبنانية، وبما تبقى من استقرار في العراق، في المقابل يبدو أن الإدراة الأمريكية الجديدة التي أعطت طابعا بأنها جاءت لتحافظ على مقاربتها السابقة التي أصبحت بحاجة إلى مقاربة جديدة حتى لو كانت مكلفة.

شاهد أيضاً

روسيا والصين.. تحالف إلا قليلاً

بقلم: عاصم عبدالخالق – صحيفة الخليج الشرق اليوم- لا تعتبر روسيا نفسها بعيدة عن الحملة …