الرئيسية / مقالات رأي / سنة كارثية بين انفجار بيروت وحريق القبيات

سنة كارثية بين انفجار بيروت وحريق القبيات

بقلم: هشام ملحم – الحرة

الشرق اليوم- قبل سنة زار الخراب الكبير بيروت عبر أكبر انفجار غير نووي في العالم في مرفأ المدينة، قتل أكثر من 200 مدني وجرح الألاف، وحوّل مساحات واسعة من أحياء بيروت السكنية إلى ركام.

ومع اقتراب الذكرى الأولى لهذه الكارثة، التي تسبب بها الإهمال الحكومي والتقصير الإجرامي في أداء الواجب، التهمت حرائق غير معهودة الغابات والأحراج الواسعة المحيطة بقرية القبيات ومناطق أخرى في محافظة عكّار، التي تشكل ثروة طبيعية وبيئية فريدة في لبنان.

هذه الحرائق كشفت، بشكل مخز، إخفاق الأجهزة الحكومية والإسعاف المدني في التصدي الفعّال للحرائق، إما بسبب عدم توفر الطوافات المصممة لمكافحة الحرائق أو غيرها من الآليات بسبب عدم توفر المحروقات، أو بسبب غياب الأجهزة الإدارية التي يفترض أن تنسق الجهود اللوجستية لمكافحة الحرائق الكارثية.

واستنادا إلى المعارضة الرسمية لأي تحقيق شفاف في انفجار مرفأ بيروت، ونظرا لإخفاق الدولة اللبنانية أو استهتارها التقليدي بالتحقيق في أي جريمة سياسية، من ارتكاب المجازر إلى اغتيال السياسيين والإعلاميين، إلى قتل البيئة، وحده الساذج يعتقد أن أي حكومة لبنانية مؤلفة من أفراد الطبقة السياسية –الأوليغارشية التي وضعت لبنان على أبواب الجحيم، قادرة أو مستعدة لإجراء تحقيق جدي في الانفجار ام في الحرائق، ناهيك عن اجراء اصلاح اقتصادي حقيقي.

بين انفجار المرفأ، الذي لم يحاسب عليه أي مسؤول أمني أو سياسي، والذي وصل فيه التحقيق فور بدايته إلى طريق مسدود بسبب مقاومة الطبقة السياسية لرفع الحصانة القانونية التي يتمتع بها النواب والمسؤولين للتحقيق معهم، وبين حرائق القبيات وعكّار تفاقمت حدة الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية وتعرض مئات الألاف من اللبنانيين إلى الجوع للمرة الأولى منذ المجاعة الكبيرة التي اجتاحت لبنان إبان الحرب العالمية الأولى. وهناك أيضا مئات الألاف من اللبنانيين الذين يقتربون من المجاعة ويعانون مما يسميه الخبراء “انعدام الأمن الغذائي”، وهي عبارة ملطفة لاقتراب الانسان من حافة المجاعة.

الإحصائيات في هذا السياق مروّعة، ويعرفها العديد من اللبنانيين، ولكن من الضروري التذكير بها دوما لأنها تتفاقم مع مرور كل يوم، ويجب النظر إليها بمجملها لفهم فداحة خطورتها.

الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 90 بالمئة من قيمتها منذ انتفاضة أكتوبر 2019.  منذ ذلك التاريخ وحتى الآن سحب أفراد الطبقة السياسية-الأوليغارشية أكثر من 20 مليار دولار من المصارف اللبنانية، وأودعوها في حسابات معظمها في أوروبا. وصاحب ذلك ارتفاع حاد في معدلات التضخم، إذ ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية الضرورية وأسعار الأدوية (إذا توفرت) بأكثر من 600 بالمئة.

ووصل معدل انكماش الاقتصاد اللبناني في 2020 إلى 20 بالمئة، ومن المتوقع أن ينكمش هذه السنة بأكثر من 10 بالمئة، ونحن لا نزال في نصفها تقريبا. وخلال الأسابيع الماضية اقتبست الصحافة العالمية واللبنانية فقرة من تقرير للبنك الدولي وصف فيها الانهيار الاقتصادي اللبناني بأنه أحد أسوأ ثلاثة كوارث اقتصادية في العالم منذ أكثر من 150 سنة. هذا الإحصاء وحده يضع لبنان في خانة كارثية مروّعة.

خلال السنتين الماضيتين ارتفع عدد اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر الى أكثر من 60 بالمئة، بينهم 25 بالمئة في حالة فقر مدقع. إحصائيات الأمم المتحدة تشير إلى أن مليون ومئتي ألف لبناني لا يستطيعون البقاء على قيد الحياة دون تلقي مساعدات غذائية.

الانهيار الاقتصادي، وجائحة كورونا التي أرهقت الأجهزة الصحية في البلاد، أرغمت أكثر من مليون طفل لبناني على وقف تحصيلهم الدراسي. إضافة الى ذلك، ساهم انقطاع التيار الكهربائي باستثناء ساعات قليلة في اليوم، في تعطيل التعليم في لبنان على مختلف مستوياته. توقف الصيدليات والمستشفيات عن استيراد الأدوية، خلق أزمة أدوية لم يشهدها لبنان حتى في أحلك مراحل النزاع الأهلي الدموي او خلال اجتياحات الجيوش الأجنبية. تعطيل التحصيل العلمي، وارتفاع معدلات هجرة المحترفين والاخصائيين، سوف يخلق خللا اجتماعيا وإنسانيا واقتصاديا، ستبرز ملامحه الخطيرة والبشعة بعد 10 أو 20 سنة.

وإذا لم يكن الانهيار الاقتصادي وانفجار المرفأ وحرائق القبيات وغيرها من الكوارث التي شهدها لبنان في السنة الماضية كافيا، يعاني لبنان من شلل سياسي تمثل في عجز الطبقة الحاكمة عن الحكم بسبب فشلها في تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة حكومتين منذ أكتوبر 2019 وتخلف رئيس حكومة مكلف (سعد الحريري) عن مساعيه لتشكيل حكومة، وتعيين نجيب ميقاتي رئيس حكومة مكلف للمرة الثانية خلال سنة.

وانعكست الازمة الاقتصادية بشكل صارخ على مؤسسة القوات المسلحة، التي تبقى، على الرغم من ضعفها التقليدي، القوة الوحيدة القادرة على حفظ ما تبقى من الأمن في بلاد بدأت مسيرتها باتجاه الانهيار والفوضى. رواتب العسكريين، مثلهم مثل بقية اللبنانيين تبخرت عمليا. الجيش يفتقر الى المؤن والمحروقات والبذاّت العسكرية وقطع الغيار.

قبل أسابيع عقدت الدول الأوروبية المعنية بأمن لبنان مؤتمرا دوليا لبحث سبل توفير الدعم للجيش اللبناني، لأنها تخشى انهياره الذي سيؤدي الى انهيار لبنان وغرقه في الفوضى التي ستهدد أمن منطقة الساحل الشرقي للبحر المتوسط وأوروبا الجنوبية بموجة جديدة من اللاجئين.

وهناك ارتفاع ملحوظ في عدد الجنود الذين يتخلفون عن العودة إلى الخدمة بعد انتهاء إجازاتهم، كما أن أعدادا متزايدة من العسكريين اللبنانيين يضطرون للبحث عن وظائف ثانية، أو حتى ثالثة، لإعالة عائلاتهم، ما يؤثر سلبا على جاهزية الجيش. في هذا السياق أعلنت حكومة قطر عن تقديم هبة شهرية من 70 طنا من مختلف المواد الغذائية للجيش اللبناني، الذي توقف أفراده عن تناول اللحوم منذ أشهر.

خلال زيارته الاخيرة لواشنطن حذّر العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، بحضور الرئيس الأميركي جوزيف بايدن من المضاعفات الإقليمية لانهيار الوضع في لبنان ” حيث يعاني الناس من أزمة، هناك مجاعة وشيكة، والمستشفيات لا تعمل، وهذا تم طرحه في الكثير من النقاشات التي أجريناها هنا”، وأضاف العاهل الأردني: “أعلم أن الولايات المتحدة تعمل مع فرنسا على هذا الملف. ولكن عندما تصل الأزمة إلى أسوأ حالاتها، وهو ما سيحصل في غضون أسابيع، ماذا يمكننا أن نفعل كمجتمع دولي للتدخل؟”؟

هذا السؤال سوف يزداد الحاحا مع مرور الأيام والأسابيع المقبلة على الأكثر، عندما “تصل الأزمة إلى أسوأ حالاتها”، كما حّذر الملك عبدالله. المؤشرات حول الانفلات الأمني عديدة. ارتفاع معدلات السرقة (السيارات تحديدا)، والنهب، وازدياد أعمال العنف في طوابير السيارات أمام محطات الوقود، وحتى ارتفاع معدلات الانتحار.

ولكن أخطر أنواع الانهيار الأمني هو الذي يكتسب أبعادا طائفية ومذهبية، كما يتبين من الاشتباكات الاخيرة في منطقة خلدة جنوب العاصمة اللبنانية بين عناصر من حزب الله (الشيعي) وشبان من “عشائر عربية” (سنية) تقطن المنطقة، مما أدى إلى مقتل خمسة مسلحين من الطرفين.

تضافر استمرار الانهيار الاقتصادي، والفراغ السياسي يعني أن الاقتتال الطائفي في خلدة مؤشر لما تحمله الأيام والأسابيع المقبلة من كوارث للبنان.

انهيار الوضع الأمني شبه محتم، لأن الرئيس ميقاتي، حتى ولو شكّل حكومة جديدة، لن يكون قادرا على قبول الإصلاحات الاقتصادية والمالية الجدية التي تطالب بها الدول المانحة أو المؤسسات المالية الدولية، لأن الرئيس ميقاتي، وهو ملياردير ارتبط اسمه بالفساد، هو جزء لا يتجزأ من الطبقة السياسية-الأوليغارشية التي لا تزال تصر على إدارة الأزمة اللبنانية، وحتى إدارة الانهيار اللبناني بدلا من قبول الإصلاحات البنيوية التي قد تكشف مدى فسادها ومسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن الكارثة اللبنانية.

قرار تشكيل الحكومة يتخطى صلاحيات أو قدرات ميقاتي، الذي لن يستطيع تشكيل الحكومة دون موافقة أو شروط حزب الله، وهو من الأطراف الأساسية التي دعمت ترشيحه. لا حزب الله، ولا حليفه “التيار الوطني الحر” أو القوى السياسية الرئيسية في البلاد تريد تطبيق الإصلاحات الجدية التي تدعو لها فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهذا يعني أن ميقاتي لا يختلف نوعيا عن سعد الحريري الذي أخفق بعد أقل من سنة في تشكيل حكومة جديدة.

وفي حال شكّل ميقاتي حكومة جديدة، فإنها من المرجح أن تكون خطوة استباقية لتجميد أو تأجيل قيام الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية ضد الشخصيات السياسية التي تعرقل تشكيل الحكومة أو تعارض الاصلاحات الجدية.

انهيار الوضع الأمني يعني أن حزب الله، وهو اليوم الطرف السياسي-العسكري الأقوى في لبنان، سوف يحّكم سيطرته الأمنية والسياسية على مناطق واسعة من لبنان. ويقوم حزب الله منذ أشهر بتحضير كوادره لمثل هذا الانهيار الاقتصادي والأمني من خلال إصدار بطاقات تموينية خاصة لأنصاره لاستخدامها في المؤسسات والمحلات التجارية التي يملكها. الانهيار الأمني يعني أن بعض المناطق التي تعاني من الفراغ الأمني سوف تخضع لسيطرة جماعات مسلحة أو حزبية محلية، بما في ذلك تنظيمات إسلامية مسلحة متطرفة كما حدث في شمال لبنان في السابق.

يوم الجمعة الماضي أعلن الاتحاد الأوروبي أنه وضع إطارا قانونيا لفرض عقوبات على قادة لبنانيين يعتبرهم مسؤولين عن تعطيل العملية السياسية في لبنان، وذلك في محاولة منه للضغط باتجاه بتشكيل حكومة لبنانية تتبنى إصلاحات بنيوية جدية قابلة للتنفيذ، لوقف الانهيار الاقتصادي. هذا الإطار القانوني يوفر للاتحاد القدرة “على فرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن التعرّض للديمقراطية أو لسيادة القانون في لبنان”.

وكان من اللافت أن الولايات المتحدة سارعت إلى الترحيب بقرار الاتحاد الأوروبي الهادف إلى “دعم المحاسبة والإصلاح في لبنان.. واستخدام هذه الأداة المهمة لمحاسبة المسؤولين على نطاق عالمي”. وجاء في بيان مشترك لوزيري الخارجية أنطوني بلينكن، والخزانة جانيت يلين، إنّ “العقوبات تهدف، من بين أشياء أخرى، إلى فرض تغييرات في السلوك ومحاسبة القادة الفاسدين”، في لبنان.

يوم الأربعاء سوف يتجمع عشرات الآلاف من اللبنانيين في منطقة مرفأ بيروت، لإحياء الذكرى الاولى لفاجعة انفجار المرفأ، وذلك بعد تظاهرات واعتصامات احتجاجية جرت خلال الأيام السابقة للذكرى.

هذا التجمع يمكن أن يكون مناسبة لمختلف قوى المجتمع المدني ولتلك الفعاليات التي نظمت أو شاركت في انتفاضة أكتوبر 2019 لكي توفر غطاء شعبيا لفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لكي تبدأ بتنفيذ إطارها القانوني الجديد لفرض عقوبات اقتصادية وحظر سفر يشمل السياسيين والمصرفيين اللبنانيين الذين يعرقلون العملية السياسية، والذين نهبوا ثروات الشعب اللبناني وإيداعاته في المصارف اللبنانية وحولوها إلى المصارف الأوروبية.

كشف هوية هؤلاء السياسيين والمصرفيين وكشف حساباتهم، تمهيدا لتجميدها، سيمثل ربما أول نكسة حقيقية لأفراد هذه الطبقة المفترسة التي تتحكم بلبنان منذ عقود، والتي أذلت اللبنانيين ونهبت ثرواتهم كما لم يذلهم او ينهبهم محتل أجنبي.

شاهد أيضاً

أوروبا تعود إلى أرض الواقع

بقلم: د. عبد الله الردادي – صحيفة الشرق الأوسط الشرق اليوم– إذا عطست الولايات المتحدة، …