الرئيسية / مقالات رأي / القرصنة مقابل العقوبات

القرصنة مقابل العقوبات

بقلم: أحمد مصطفى – الخليج الإمارتية

الشرق اليوم- لم تكد تمر أسابيع على القمة الأمريكية الروسية في جنيف، حتى تعرضت الشركات في الولايات المتحدة ونحو 17 بلداً غربياً لحملة قرصنة من أجل دفع فدية طالت آلاف البرامج والأنظمة، مع طلب المهاجمين نحو سبعين مليون دولار لوقف الاختراق.

وضع الهجوم الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض في موقف حرج تماماً، وذلك بالضبط ما ترغب فيه قيادة الكرملين في موسكو. فمن البنود الرئيسية في قمة الشهر الماضي موضوع القرصنة والهجمات الإلكترونية التي مصدرها روسيا. وقال الرئيس جو بايدن إنه أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأن عمليات القرصنة من روسيا ستؤدي إلى رد انتقامي من أمريكا.

 يدرك بوتين، رجل روسيا القوي القادم من خلفية مخابراتية والمتحكم في البلاد بقبضة من حديد، أن روسيا لا تملك أدوات منافسة كثيرة مع الولايات المتحدة. فرغم أن بلده غني بالموارد إلا أن اقتصاده لا يصل إلى قرب اقتصاد أمريكا والصين، كما أن علاقاته الخارجية ليست بقوة ما ورثه من الاتحاد السوفييتي السابق أيام الحرب الباردة. لذا يعتمد بوتين في علاقته مع الأقوى طريقة «الإزعاج»، وليس أكثر إزعاجاً من الاختراق الرقمي في وقت يشهد فيه العالم تحولاً إلى الاعتماد الأكبر على الإنترنت والخدمات الرقمية.

 أدرك بوتين نقطة ضعف بايدن، بتركيزه على مسألة الاختراقات الرقمية، فجاءت حملة القرصنة من أجل الفدية الأخيرة ومصدرها حسب ما وجد المحققون الأمريكيون جماعة روسية معروفة على الإنترنت السوداء (دارك ويب). ويذهب من يهوون التفسيرات التآمرية والتفكير الذي به شطط إلى أن معناها «شر روسيا»، لكن ذلك لا يبدو منطقياً تماماً. 

لم يفوت الجمهوريون في الولايات المتحدة الفرصة ليتهموا بايدن بأنه «خضع لبوتين» في جنيف. ويرى معارضو البيت الأبيض أن بايدن أعطى تصريحاً ضمنياً لبوتين لاستهداف أعمال أخرى غير الستة عشر قطاعاً التي حددها له. لكن معضلة بايدن الحقيقية هي فيما يمكن أن يفعله تجاه روسيا، فليس هناك الكثير في الواقع إذ إن إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب فرضت كل ما يمكن من عقوبات على موسكو. ثم إن بايدن لا يريد أن يدفع الروس للتقارب أكثر مع الصين.

 بالطبع يمكن فرض مزيد من العقوبات الأمريكية على روسيا، لكنها في النهاية ستكون إجراءات غير مؤثرة، فالعقوبات المؤثرة مفروضة بالفعل بل إن قدراً من قمة جنيف كان نقاشاً حول تخفيف بعض تلك العقوبات. المثير، أن إدارة الرئيس جو بايدن تدرس بالفعل حالياً التخلي عن سلاح العقوبات كوسيلة ضغط دبلوماسية في صراعات الولايات المتحدة مع منافسيها ومناوئيها حول العالم. في الأشهر الستة الأولى من حكم الرئيس بايدن، أصدر أوامر تنفيذية تلغي بعضاً من العقوبات التي فرضتها إدارة دونالد ترامب. والهدف النهائي للمفاوضات الجارية حالياً في فيينا لعودة أمريكا للاتفاق النووي الإيراني ستعني رفع كثير من العقوبات المفروضة على طهران. 

 والتقييم الأولي للإدارة الأمريكية أن العقوبات الصارمة، وإن أضرت بالفعل بقدرات مناوئي الولايات المتحدة من إيران إلى فنزويلا إلا أنها لم تؤد إلى أي تغيير في سلوك هؤلاء. لكن الأضرار الجانبية للعقوبات أضرت بالفعل بعلاقات الولايات المتحدة بحلفائها. حتى إن بعض العقوبات الاقتصادية على الصين مثلاً كانت لها آثار جانبية ضارة على بعض الأعمال الأمريكية والسوق الأمريكي الداخلي.

 ليس معنى ما سبق أن الولايات المتحدة ستتوقف عن فرض عقوبات، لكنها لن تستخدمها كسلاح في إنفاذ مصالحها بالشكل الذي فعلته الإدارات السابقة. وليس معناه أيضاً أن الروس سيتوقفون عن القرصنة طالما لفتوا انتباه واشنطن ووضعوا الإدارة الأمريكية في موقف حرج. فأعمال القرصنة والاختراق مثل الوباء، قد تطلقه لكنك لا تتمكن غالباً من وقفه أو السيطرة عليه. لذا ليست مصادفة أن عمليات الاختراق الإلكتروني تتم باستخدام «فيروسات» برمجية خبيثة.

شاهد أيضاً

مفاوضات إيران النووية.. قصة لا تنتهي

بقلم: عماد الدين الجبوري – اندبندنت عربية الشرق اليوم– مضى عقد من الزمن وما زالت …