الرئيسية / مقالات رأي / أوروبا.. أسباب تراجع اليمين المتشدد

أوروبا.. أسباب تراجع اليمين المتشدد

By: Ned Timko – CSMonitor

الشرق اليوم- قد يصعب على المرء تحديد موقع سلوفينيا على خريطة أوروبا. فهذا البلد الذي يقع بين إيطاليا والنمسا والمجر وكرواتيا صغير، إذ تعادل مساحته ولاية نيوجيرسي الأميركية تقريباً. ولكن البلد يستحق المتابعة هذه الأيام، وليس لجمال جباله فحسب، لكن بسبب تزايد المعارضة لـ«يانيز يانشا»، رئيس الوزراء المعجب كثيراً بدونالد ترامب. على أن تغير المزاج العام في سلوفينيا يعكس رياحاً أمامية أوسع أخذت تعصف الآن بالشعبويين اليمينيين في بلدان أخرى في أوروبا – من يصفون أنفسهم بـ«الديمقراطيين غير الليبراليين» الذين يحكمون المجر وبولندا، وحاملي لواء اليمين المتطرف الرئيسيين في ألمانيا وفرنسا.

والحق أنه ما زال من المبكر الجزم بأن هذا الاتجاه سيستمر، لأن ذلك قد يتوقف على ما إن كان عدد أكبر من السياسيين الوسطيين سيتمكنون من إعادة التواصل مع الناخبين الذين دعموا صعود الشعبوييين القوميين المتشددين المعادين مهاجرين وللأقليات في السنوات الأخيرة.

ولكن المناخ السياسي يبدو بالفعل أنه أخذ يتغير لسببين رئيسيين: أحدهما محلي والآخر عالمي.

فعلى الصعيد المحلي، أعاد كوفيد- 19 تشكيل المشهد السياسي، حيث صرف انتباهَ الناخبين عن هجمات الشعبويين الملهبة للمشاعر على الهجرة أو الأقليات، وحوّله إلى الطريقة التي تتعامل بها حكوماتهم مع الوباء. كما أصبح الناخبون واعين بشكل متزايد بمواضيع السياسات اليومية التي سلّط عليها الضوءَ الوباء مثل أمن الأسرة والصحة والوظائف.

والنتيجة: انتكاسات غير متوقعة لحزبي المعارضة اليمينية المتطرفة الأبرز في أوروبا، حزب «البديل من أجل ألمانيا» في ألمانيا وحزب مارين لوبين «التجمع الوطني» في فرنسا. ففي أوائل يونيو الماضي، حلّ حزب «البديل من أجل ألمانيا» في مرتبة ثانية بعيدة عن حزب المستشارة أنجيلا ميركل المنتهية ولايتها في انتخابات ولاية في المعقل السياسي للحزب في شرق ألمانيا. وكانت نتيجة قاسية ومخيبة للآمال بالنسبة لـ«البديل من أجل ألمانيا» في آخر اختبار انتخابي له قبل الانتخابات الوطنية في سبتمبر.

وقد وجد استطلاع للآراء عقب تلك الانتخابات أن معظم الناخبين يبدون اهتماماً أقل بدعوة «البديل من أجل ألمانيا» إلى قوانين هجرة أكثر تشدداً منها بمواضيع الاقتصاد والمعيشية اليومية والوظائف.

وفي الانتخابات الإقليمية الفرنسية، قبل أسبوعين فشل حزب لوبين «التجمع الوطني» في الفوز ولو بمجلس واحد، على الرغم من توقع استطلاعات الرأي إمكانية فوزه بخمسة مجالس. والواقع أن قراءة الدلالات بعيدة المدى لتلك النتيجة صعبة على اعتبار أن أقل من ثلث الناخبين فقط تحملوا عناء المشاركة في تلك الانتخابات، غير أن لوبين أثبتت عدم نجاحها في تعبئة قاعدتها المتحمسّة عادة.

وعلى المستوى الجيوسياسي العام، خسر شعبويو أوروبا حليفين دوليين مهمين هما: الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ومؤخراً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شغل هذا المنصب فترة طويلة.

ففي ترامب، كان لهم «توأم روح» سياسي في البيت الأبيض، ولكن رحيل نتنياهو حمل رسالة مثبطة أكثر، وخاصة بالنسبة لشعبوييي أوروبا الشرقية الحاكمين: ذلك أنه نُحّي من قبل تحالف لأحزاب من مختلف ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي.

وهناك آخرون يتّبعون ذاك النموذج. ففي المجر، حيث لطالما استفاد حزب رئيس الوزراء فيكتور أوربان «فيدس» من انقسام المعارضة، اتّحدت ستة أحزاب الآن في محاولة لتنحيته في انتخابات الربيع المقبل البرلمانية.

وفي بولندا، من المنتظر ألا يواجه «حزب القانون والعدالة» انتخابات وطنية حتى عام 2023، ولكن وبالنظر إلى تقلص أرقامه في الانتخابات، غيّر الحزب نهجه العام الماضي وأخد يدافع عن مواضيع تُعتبر تقليدياً أولويات بالنسبة ليسار الوسط مثل رفع معدلات الضرائب بالنسبة للأغنياء.

غير أن الزعيم السلوفيني يانشا هو الذي يمثّل مصيرُه المؤشر الأكثر دراماتيكية للمناخ السياسي الجديد في أوروبا، وقد كان واضحاً بشكل جيد في نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة ليوبليانا.

فخارج مبنى البرلمان، احتفلت الحكومة بالذكرى الثلاثين لاستقلال سلوفينيا عن يوغوسلافيا، وصعودها هذا الأسبوع إلى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي التي تدوم ستة أشهر.

ولكن على بعد بضع أزقة من هناك، كان آلاف المحتجين ينظّمون أحدث مظاهرة ضمن سلسلة من المظاهرات التي بدأت العام الماضي.

كان الوباء أحد الأسباب. ولكن يبدو أن أكثر ما كان يحرّك المتظاهرين هو الطابع الغاضب والمثير للانقسام لحكم «يانشا» – والتي يعبّر عنها عموما عبر تويتر — وإجراءاته الرامية للحد من انتقادات وسائل الإعلام.

وفضلاً عن ذلك، أشار أحد استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن شعبية حكومته آخذة في الهبوط، حيث عبّر 30% من المستجوبين فقط عن دعمهم لها، في حين يرغب 66% في أن تتغيّر في انتخابات العام المقبل.

آفاق «يانشا» السياسية على المدى القريب لا تبدو مشرقة، ولكن الصورة على المدى الطويل في سلوفينيا وبلدان أخرى في أوروبا ربما لن تعتمد على «يانشا» وأمثاله، وإنما من المرجح أن تتوقف على خصومهم الوسطيين، وما إن كانوا يستطيعون تقديم حجج قوية ومقنعة بما يكفي لنوع أقل غضباً وأقل صدامية وأكثر استيعاباً من الزعامات.

شاهد أيضاً

صدمة في أوروبا… المحرمات تسقط و”هتلر يعود”!

بقلم: محمد حسين أبو الحسن- النهار العربيالشرق اليوم– في ثاني أكبر صدمة بعد “بريكست”، استطاعت …