الرئيسية / مقالات رأي / التقارب الروسي الأوروبي

التقارب الروسي الأوروبي

بقلم: بيشوي رمزي – اليوم السابع


الشرق اليوم – في الوقت الذي تحاول فيه إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، قيادة الغرب الأوروبي، نحو ملاحقة روسيا في المرحلة المقبلة، على خلفية قضية الناشط الروسي، أليكسي نافالني، بالإضافة إلى الوضع في أوكرانيا ودونباس وغيرهما، تتحرك موسكو بخطى ثابته نحو التقارب مع محيطها الأوروبي، عبر العديد من الأدوات، ربما على رأسها الغاز، عبر مشروع “السيل الشمالي”، والذي خلق رابطة قوية بينهما، من شأنها تحويل الخصومة التاريخية إلى تقارب تدريجي، يساهم بصورة كبيرة في تقليص الفجوة الكبيرة، في ظل معطيات أهمها الجرح الأمريكي الغائر بعد سياسة التخلي التي تبناها الرئيس السابق دونالد ترامب، تجاه حلفائه الأوروبيين، وبالتالي حاجاتهم لشركاء جدد، وإعادة هيكلة علاقاتهم الدولية في المرحلة المقبلة.
وعلى الرغم من أن كسر الجمود في العلاقة مع المحيط الأوروبي، يمثل اختراقا كبيرا للرئيس فلاديمير بوتين، خاصة إذا ما تعلق بالتقارب مع أعتى خصومه في القارة العجوز، وعلى رأسهم ألمانيا، عبر بوابة الغاز، إلا أنه لم يكن الانتصار الوحيد لموسكو، داخل منطقة تمثل بعدا عمقا استراتيحيا للغريم الأمريكي، حيث تبقى هناك العديد من الجوانب الأخرى، التي تمكنت من اختراقها، عبر تقديم نفسها، كشريك يمكنه القيام بدور في المساعدة لحل الأزمات الإنسانية التي قد تحل بدول أوروبا الغربية، وفي القلب منها أزمة تفشي فيروس كورونا.
روسيا لم تكتف بانتهاج دبلوماسية الإغاثة التقليدية، في محاولة احتواء الأزمة، إثر تفشيها بصورة غير متوقعة في العديد من دول أوروبا، وإنما قامت بدورا بارزا، على المستوى العلمي، عبر تقديم لقاح “سبوتنيك”، والذي يمثل اختراقا دبلوماسيا مهما، على المستوى العلمي، يخلق بعدا جديدا للنفوذ الروسي، في العديد من مناطق العالم، وهو ما بدا في إقبال العديد من الدول، سواء في إفريقيا وآسيا، على الاستعانة باللقاح، بينما تقترب أوروبا منه على استحياء، عبر مبادرات فردية قامت بها عدة دول، رأت أنه أحد الخيارات المتاحة، في ضوء سعره الرخيص، مقارنة باللقاحات الأمريكية، بالإضافة إلى كفاءته، والتي تصل إلى 90%.
فعلى الرغم من التعنت الأوروبي في التعامل مع اللقاح الروسي في بداية الأمر، إلا أن الوكالة الأوروبية للأدوية اتجهت نحو تغيير جزئي في موقفها عبر اختباره، وهو ما أكدت أنه سيكون تقييما موضوعيا يعتمد على المعايير التقليدية التي تتبناها القارة العجوز، وهو ما يمثل استجابة لضغوط أطلقتها دولا عدة أعلنت موقفا إيجابيا تجاه اللقاح الروسي، على رأسها إيطاليا، والتي دعت الاتحاد الأوروبي إلى الانفتاح عليه نظرا لفاعليته العالية، وهو ما يمثل شهادة مهمة لأحد دول التكتل القارئ، بل وأعلنت إنتاجه في الداخل، وهو ما يعد انتصارا مهما لموسكو.
الخطوة الإيطالية تأتي بعد أسابيع من الإعلان عن تحالف محتمل، بين اللقاح الروسي، ولقاح أسترازينيكا، والذي تنتجه شركة بريطانية، عبر المزج بينهما، في محاولة لزيادة فاعليته، في المرحلة المقبلة، لمكافحة الفيروس المتحور، بعدما فشلت لقاحات أخرى في التعامل معه في الفترة الأخيرة.
وهنا يمكننا القول بأن اللقاح الروسي أصبح أحد أهم أدوات الدبلوماسية الروسية، حيث يمثل نجاحه في دخول أوروبا الغربية، بالإضافة إلى كونه اختراقا علميا، على حساب قوى دولية عديدة، طالما نظر العالم إليهم باعتبارهم “أسياد العلم”، انتصارا دبلوماسيا مهما، من خلاله تقدم موسكو بعدا جديدا لمزاحمة واشنطن في مناطق نفوذها الرئيسية، وذلك بعد نجاحها في تحقيق ذلك سواء في الشرق الأوسط أو آسيا، لتصبح أوروبا أحد أهم مناطق “صراع النفوذ”، بين واشنطن وموسكو في المرحلة المقبلة.

شاهد أيضاً

“بيغاسوس” والتجسس على الناس

بقلم: أ.د. غانم النجار – الجريدة الكويتية الشرق اليوم– بين كل فترة وأخرى تطل علينا …