الرئيسية / مقالات رأي / الإصغاء الفعّال: ما بين سماع الآخر والإصغاء إليه

الإصغاء الفعّال: ما بين سماع الآخر والإصغاء إليه

بقلم: سمير قسطنين – النهار العربي

الشرق اليوم- كُلنا نستمع إلى الإذاعات، والكلُّ يسمع كلاماً كثيراً كلّ يوم من أشخاص عديدين. وكلُّنا نتحدّث مع أفراد عائلاتنا صُبحاً ومساءً حول أمورٍ كثيرة. إلّا أنّنا، وفي مراتٍ كثيرة، نتفاجأ بسؤالٍ يأتينا من الزوجة أو الزوج أو الأولاد من مثل: “إنتَ معي بابا”؟ أو “عم تسمعني حبيبي”؟ “شايفتك شارد”؟

تدخلُ موظّفةٌ في مؤسّسةٍ ما إلى مكتبِ المدير، تتحدّثُ إليه عن مشكلةٍ تواجهُها في علاقتِها بموظّفين آخرين. تخرجُ من اللقاء فتسألُها زميلةٌ لها: “شو قَلِّك”؟ فتجيبُها: “ما ركّز معي، راسو كان بشي تاني”.

لماذا يحصل ذلك؟ وكيف نتأكّد من أنّنا لا نسمعُ الآخرَ فقط بل إنّنا نُصغي إليه؟ وكيف تعرفُ إذا ما كان الآخر منصِتاً لك أم لا؟

أنتَ تكونُ في حالةِ إصغاءٍ إلى الآخر، زوجاً كانَ أم زوجةً أم ولداً أم موظّفاً أم جاراً، عندما تؤجّل الحكمَ على ما يقولُه المتحدِّث حتّى النهاية، وعندما لا تفكّر بجوابِك أنتَ على ما يقولُه هو فيما هو يشرحُ لكَ وجهةَ نظره. أنتَ تكونُ مُصغياً إليه عندما تنتبِه الى حقائق محدّدة في كلامِه بدلَ الانتباه فقط إلى الأمورِ بصورةٍ عامّة. أنتَ تنصتُ إليه عندما تركِّز عينيكَ على محدّثِك وهو يتكلّم. ويكونُ إصغاؤك أكثر فعاليّة عندما تُصغي الى المحتوى الواقعي للكلمات والمشاعر التي تختبئ وراءَ ما يقولُ المتحدّث. ففي مرّاتٍ كثيرة يستشيطُ الآخرُ غضباً. نحن نراه كغضوب، لكن هل فكّرنا مرّةً أنّ هذه المشاعر هي مشاعرُ الغيرةِ مثلاً؟ أَترى في كلامِه غيرةً عليك وتتعاطى بالتالي مع هذه الغيرة؟ أم أنّك لا ترى إلّا الغضب وتردّ على الغضبِ بغضبٍ أكبر؟ أنتَ تُصغي إليه عندما تسألُه أسئلةً للاستيضاح لا أسئلةً تشكيكيّة أو اتّهاميّة. وأنتَ تُصغي إليه عندما لا تحكم على أهميّةِ كلامِه انطلاقاً من مظهرِه أو هندامه أو أسلوبه في الكلام، وتشعر في داخلك أنّ ما يقولُه يستحقُّ العناءَ فعلاً بغضّ النظر عن هذه المُعطيات.

المُصغي الفعّال يحاولُ ضبطَ أفكاره ومشاعره على وقعِ كلام المتحدّث ومشاعره. وهذا يأخذُني إلى سؤالٍ حول الجهد الذي تبذُلُه لتقييمِ مضمونِ ما قالَه الآخر من الوجهةِ المنطقيّةِ لسياقِ الحوادث، فلا يأتي الرفضُ أو النكران فوريّاً ومن دون تفكير. وأخيراً هل تُعطيه فرصةً ليقولَ كلَّ ما يريدُ قولَه فتكون أنتَ المتحدّث عندما ينتهي من كلامه وليس قبل ذلك؟ أو أنّك تريد أن تتكلّم في البداية والوسط والنهاية؟

يمتازُ الناسُ في لبنان عامة بالقدرةِ على التعبيرِ عن آرائِهم بسهولة، لكن هل نحن نمتازُ أيضاً بقدرتِنا على الإنصاتِ للآخر؟ سألني أحدُهم مرةً: “بماذا يختلف السمع عن الاستماع”؟ قُلتُ له: “مع تقدّمنا في العمر يخفّ السمعُ عادةً، لكنّ الاستماع يزيد، ذلك لأنّنا نكون قد تعلّمنا دروساً ثمينة في الحياة، ونكون قد خسرنا أحبّاء لنا لأنّنا لم نصغِ إليهم عندما كانوا بحاجةٍ إلى أُذنٍ صاغية”.

هل نحنُ نصغي أم أنّنا بالكاد نجد وقتاً فقط لنسمعَ ما يقوله الآخر؟

شاهد أيضاً

ليبيا تنتصر

بقلم: ليلى بن هدنة – صحيفة “البيان” الشرق اليوم – تقدم ليبيا اليوم درساً في …