الرئيسية / مقالات رأي / مماليك العراق الجُدد

مماليك العراق الجُدد

بقلم: رستم محمود – الحرة

الشرق اليوم- لم تكن الهجمة الصاروخية التي شنتها الفصائل العراقية المُسلحة على مدينة أربيل، أواسط شهر فبراير “شباط”، مُجرد رسالة عسكرية وسياسية تقليدية، كان طرفٌ إقليمي واضح الهوية والمرامي يُريد إيصالها للفاعلين الداخليين العراقيين، وللقوى الإقليمية والدولية، كما يفعل عادة عبر مواليه العراقيين، من خلال هجمات صاروخية على باقي مصالح ونقاط تمركز القوات الأميركية في العراق. بل أبعد من ذلك، كشف الهجوم المضمون السياسي والإيديولوجي في النواة الصلبة للفاعلين، وما يحملونه من مشروع وتطلعات سياسية مستقبلية. هذه العُصب التي هي الحاكم الفعلي للعراق، سياسياً وأمنياً وعسكرياً. 

ثمة 3 محددات ميزت تلك الفعلة عن سواها. فقد تجاوز الفاعلون أية حُرمة تتعلق بتحييد البيئات المدنية، والتفريق بينها وبين المواقع العسكرية، في إشارة إلى أن أربيل بكل فضائها الإنساني أنما هي بيئة معادية، لأنها ليست تحت سُلطة وسيطرة الفاعلين. 

فالهجمة فعلياً كانت على مدينة أربيل وسكانها، أكثر مُدن العراق نمواً اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً، المكان الذي يعتبره الملايين من المواطنين العراقيين “الموطن البديل”، يلجؤون إليه هرباً من كل أشكال القمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يواجهونه في باقي مناطق ومُدن العراق. وقد كان ذا دلالة عميقة بأن ضحايا تلك الهجمة الثلاث لم يكن من بينهم أي كردي عراقي، بل عامل سوري ومتعهد أجنبي وراعٍ عربي عراقي، في إشارة واضحة إلى مستوى فساحة وتنوع أنماط العيش الحيوية التي تمتاز به المدينة.

فأربيل، وعموم إقليم كردستان العراق، كان منذ قرابة ثُلث قرن صاحل قرارٍ ضمني، يعتبر نفسه بيئة مدنية واجتماعية آمنة لكل القادمين إليه، بغض النظر عن هويات وماضي وخيارات القادمين، بما في ذلك المناهضين مطلقاً لتطلعات وخيارات القوى السياسية في الإقليم. لكن ذلك الحياد عن العالم السياسي، الذي كانت مدينة كأربيل قد اتخذته لنفسها كهوية عامة، لم تحول بينها وبين تلك الهجمة، التي كانت بمعنى ما ضربة لذلك الخيار، الذي كان يميز المدينة وفضائها عن باقي المناطق العراقية التي تسطير عليها ميليشيات شبيهة وقريبة من النواة الصلبة للمهاجمين. 

الحُرمة الأخرى كانت تتعلق بتجاوز الحساسية القومية العربية/الكردية، والتي بعد عقود من الصراع وبحور من الدماء، قد توصلت إلى بعض البديهيات الأولية، وعلى رأسها القبول وحفظ أشكالٍ من الحكم الذاتي المحلي لأبناء القومية الكردية، بالذات في المحافظات الجبلية الشمالية الثلاث، دهوك أربيل والسليمانية، حيث حتى سُلطة حزب البعث، وفي ذروة فجاجتها في مواجهة الحركة القومية الكردية في النصف الثاني من الثمانينيات، لم تلغِ تلك الخصوصية الكردية، وبقيت محافظة على مؤسسات للحُكم الذاتي، ولو الشكلية، حفظاً لتلك الخصوصية الكردية. 

في هجمة أربيل الأخيرة “تبشير” بتجاوز كل تلك الذاكرة المريرة، بالعودة إلى نقطة صفرية، عدمية الرؤية، ترى إمكانية لإخضاع الأكراد من جديد، وسحب أي اعتراف بخصوصيتهم القومية والجغرافية. فالأكراد وموقعهم في العراق، ليسوا مجرد ظرف أو خيار سياسي، بل الأُس الجوهري لهوية ومعنى الكيان العراقي. حيث لو تحلل تلك الأساس، فإن العراق يتحول من دولة، أياً كان مستويات تدهور المؤسسات والسيادة داخلها، إلى مُجرد فضاء مفتوح لتناحر مجتمعاته وسكانه المحليين. 

البُعد الثالث لتلك الهجمات كامن في المردود الذي تسعى الجهة الفاعلة تحصيله. فجميع التفاصيل المحيطة بما جرى، تقول إن الفاعلين لم يكونوا يتوخون “إخراج” الولايات المتحدة من المشهد العراقي، حسب المُعلن الظاهر من قِبلهم. وحيث أن هذه الأخيرة –الولايات المتحدة- شريكة للسلطة والحكومة العراقية في ملف محاربة الإرهاب في الداخل العراقي، ومتعاونة موضوعياً بشكل حثيث مع مليشيات الحشد في محاربتها للتنظيمات المتطرفة. بل كان الفاعلون يتقصدون تحصيل “خوة سياسية واقتصادية” من إقليم كردستان العراق، عبر استعمال العنف. فإقليم كردستان في المحصلة، وتحت ضغوط مثل تلك الأفعال العُنيفة، عليه أن يخضع سياسياً لإرادة القوى الراعية لتلك التنظيمات، وأن يرضى بما هو دون حقه العادل في خيرات وموارد البلاد، وذلك فقط ليرفعوا بلاء هذه العصابات عن الإقليم، حسب رؤية الفاعلين. 

بمجموع الأمور الثلاث تلك، تجاوز الفاعلون كل حرمة حياتية، بالذات فيما خص حياة المجتمعات والمدن الآمنة، مع محاولة تحطيم النواة الجوهرية لأس الدولة العراقية، ككيان مؤلف من شراكة أبناء القوميتين العربية والكردية بالأساس، ومع الأمرين تحويل للعنف الأرعن إلى أداة لتحصيل الخوات السياسية والاقتصادية. وبذلك تكون هوية الفاعلين/الحاكمين قد انخفضت لأن تكون مجرد “عُصبة مملوكية”، قائمة ومستندة على مجموعة من المفاهيم والضوابط مع باقي مكونات المجتمع والمؤسسات والمواثيق المؤسسة للدولة العراقية، جوهرها العنف وتجاوز أية حُرمة والحلول مكان الدولة. 

كان العراق التاريخي قد عرف نموذجاً تقليدياً من هذا الحُكم المملوكي، والذي امتد طوال قرابة قرن كامل، من أواسط القرن الثامن عشر وحتى أواسط القرن التاسع عشر. ففي تلك الأزمنة، كانت عُصب المماليك البغداديين تتصارع فيما بينها بشكل مريع، ليتمكن واحد منها من فرض نفسه على الحياة العامة في تلك الولاية العثمانية، وتالياً تجاوز كل مُحدد وأطار لفكرة الدولة، عبر تحويل العنف الأرعن إلى أداة وحيدة لإخضاع المجتمع والجغرافيات المحيطة وتحصيل الخوات من المجتمعات. 

يملك العراقيون ذاكرة مريرة عن ذلك الزمن المملوكي، بالرغم من مرور قرنين كاملين على زمانه. فالحقبة المملوكية العراقية حولت الحياة إلى مجرد صراعات دون معنى أو جدوى بين المحلات والزعامات والعشائر والمناطق، دون أن يكون لها أي سبب موضوعي، خلا تلك الأشكال البدائية من العنف ومحاولة فرض السطوة. كانت عُصب الممالك، الذين كانوا يُلقبون في اللهجة العراقية بالشقاوات، في دلالة واضحة على شقاء العيش معهم وفي ظلالهم، كانوا يفتكون بكل أشكال الحياة، وينبذون أي شيء قد يُعيد ترتيب التوازنات والحياة المشتركة بين الناس والحساسيات والمناطق. 

تاريخ العراق في الزمن المملوكي رصده عشرات المؤرخين، الذين أنتجوا كتباً صورت المآسي الحياة وقتئذ، التي قال عنها المؤرخ الإنكليزي الشهير “ستيفن لونكريك” بأنها كانت طوال قرن كامل تغرق في مثلث “الدم والطاعون والجوع”.  لو استبدلنا الطاعون بالكورونا، ستغدو المقولة وكأنها تتحدث عن عراق اليوم، يااا للتراجيديا!

شاهد أيضاً

ليبيا تنتصر

بقلم: ليلى بن هدنة – صحيفة “البيان” الشرق اليوم – تقدم ليبيا اليوم درساً في …