الرئيسية / مقالات رأي / محافظو إيران مع العقوبات وضد الإصلاحيين

محافظو إيران مع العقوبات وضد الإصلاحيين

بقلم: حسن فحص – اندبندنت عربية

الشرق اليوم- على عكس كل التوقعات، يبدو أن الجهة الاكثر تضرراً على الساحة الايرانية من التغيير الذي حدث في الإدارة الأميركية وأدى إلى خروج دونالد ترمب من البيت الأبيض وعودة الديمقراطيين برئاسة جوزيف بايدن إلى السلطة هي المعسكر المحافظ، الذي كان يرى في استمرار ترمب على رأس السلطة والسياسات التي اتخذها ضد إيران فرصة تسمح له بحشد الشارع خلفه لمواجهة كل أنواع الدعوات إلى حوار إيراني – أميركي، وتحميل دعاة هذا الحوار مع الإدارة الأميركية بما تمثله من عداء وجودي للنظام وإيران، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تدهور طال لقمة العيش ومختلف الشرائح الاجتماعية، وأنهى وجود ما يُسمى الطبقة الوسطى.

أكثر المتضررين

المعسكر المحافظ الذي يمثل المنظومة الحاكمة أو الدولة العميقة المتشكلة من النظام والمؤسسة العسكرية والأحزاب الأصولية، يتحرك من خلفية واضحة لمواجهة المستجدات السياسية الداخلية والخارجية، تقوم على قطع الطريق على أي إمكان لعودة القوى الإصلاحية بمختلف تنوعاتها إلى أي من مواقع القرار في مؤسسات الدولة، وأن يكونا شريكين في القرار، وهي خلفية حكمت مسار هذا المعسكر بوضوح منذ وصول الرئيس الأسبق محمد خاتمي إلى رئاسة الجمهورية عام 1997، وهي الآن أكثر وأشد شراسة، خصوصاً بعد تنامي الشعور لدى هذا المعسكر أن المرحلة المقبلة هي مرحلة قطف ثمار سياساته على مدى ثلاثة عقود، لذلك من السهل القول إن محافظي إيران هم من أكثر المتضررين من التغيير الأميركي، لأن استراتيجية الاستفادة من العقوبات والتصعيد الأميركي تشكل رافعة لمشروعهم الداخلي، وإحدى الأوراق التي يراهنون على توظيفها في الانتخابات الرئاسية وحتى البلدية لإخراج منافسيهم من السباق ومراكز القرار، وأن الخوف من انتصار الإصلاحيين في الانتخابات المتشعّبة (الرئاسية والبرلمانية الفرعية والبلدية وخبراء القيادة) يدفعهم إلى تفضيل استمرار العقوبات، لأنهم يعتبرون أن التهديد الآتي من جهة الإصلاحيين أخطر على مصالحهم من التهديد الأميركي، فهم أقدر على استنفار الشارع وتعبئته في مواجهة الخطر الخارجي، في حين يدركون عجزهم عن حشد هذا الشارع لمصلحتهم أمام صناديق الاقتراع، ونتائج التجارب السابقة مع خاتمي والانتفاضة الخضراء والرئيس الحالي حسن روحاني واضحة أمامهم، ولعل تدني نسبة المشاركة الشعبية التي لم تتجاوز في أحسن التقديرات مستوى الـ 30 في المئة خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تشكل مؤشراً واضحاً على أزمة هذا المعسكر الشعبية وعدم قدرته على تقديم خطاب وأداء مقنع داخلياً بجميع مستوياته، يضمن له تأييداً واسعاً يساعده في تعزيز وتثبيت مواقعه بناء على قاعدة شعبية مؤيدة له.
من هنا تصبح معركة إقصاء القوى الإصلاحية بالنسبة للمعسكر المحافظ معركة وجودية، واللجوء أو التوسل بأي طريقة أو أسلوب لتحقيق هذا الهدف يصبح مسوغاً في هذه المعركة، إن كان عبر سيف مجلس صيانة الدستور ولجنة درس أهلية المرشحين، أو في عملية تعدد المرشحين، خصوصاً مرشحين إصلاحيين ضعفاء، بهدف توزيع الأصوات بطريقة تضمن رفع مستوى المشاركة الشعبية، أو عبر تخريب أو تشويه قدرة هذه الأحزاب على القيادة، وتقديم حلول للأزمات والمشكلات التي تعانيها البلاد على جميع المستويات الداخلية والخارجية، وصولاً إلى توظيف العقوبات الأميركية والإبقاء عليها من أجل تحقيق أهدافهم.

الطرف المفاوض

وانطلاقاً من مسلمة أن التفاوض والجلوس إلى طاولة المفاوضات هو النتيجة الحتمية لطرفي الأزمة الإيراني والأميركي، ما لم تكن لديهما النية بالذهاب إلى الحرب والمواجهة التي ستنتهي أيضاً إلى التفاوض على وضع مختلف عن الوضع الحالي المحكوم بسقف الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن رقم (2231) والعقوبات، فإن المعسكر المحافظ يسعى في كلا الخيارين إلى أن يكون هو الطرف الإيراني الذي يجلس إلى الجانب الآخر من الطاولة، وألا يحدث أي تغيير في تركيبة السلطة يسمح للفريق الإصلاحي المنافس أن يكون هو البديل، حتى وإن كان تحت سقف الاستراتيجيات العامة للنظام التي يرسمها المرشد الأعلى.
ما هو “حرام” على الإصلاحيين وحكومة روحاني المعتدلة في السعي إلى بناء مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة ودول العالم، بهدف إعادة إيران كدولة عضو فاعل ومقبول في المجتمع الدولي، يبدو أنه “حلال” إذا ما قام به المعسكر المحافظ، ولذلك تصبح عملية إفشال كل الجهود التي بذلها رئيس دبلوماسيته محمد جواد ظريف خلال الأعوام الثمانية الماضية، خصوصاً الاقتراح الذي تقدم به قبل أسبوع، والقائم على “الخطوات المتزامنة” بين بلاده والإدارة الأميركية للخروج من مأزق العودة إلى الاتفاق النووي، والالتزام بمندرجات القرار الدولي (2231)، تصبح هذه العملية من أبرز المهمات التي وضعها المحافظون خريطة طريق في معركتهم الداخلية حول الانتخابات الرئاسية، ومدخلاً للعودة إلى القرار التنفيذي وقيادة عملية التفاوض لاحقاً. وفي هذا السياق، تأتي الزيارتان اللتان أجراهما كل من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إلى موسكو، ورئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي إلى العراق، وهما من شخصيات المعسكر المحافظ المرشحة لخوض السباق الرئاسي.

وهدفت الزيارتان إلى استعادة المبادرة من حكومة روحاني وإدارته الدبلوماسية التي تُعتبر العرّاب الحقيقي والعملي لكل التفاهمات والأسس الاستراتيجية التي تحكم العلاقة بين إيران وروسيا والعراق، خصوصاً وأن ظريف نفسه أكد أنه لعب دوراً محورياً في رسم استراتيجية العلاقة مع موسكو.

الرغبة في التفاوض

وعلى الرغم من الرغبة الشديدة التي يبديها روحاني مدعوماً بواقع شعبي وسياسي من شريحة واسعة لا تقتصر على القوى الإصلاحية، للعودة إلى التفاوض وإنهاء أزمة العقوبات التي باتت تثقل كاهل الإيرانيين، إلا أن الأفق أمام تحقيق ذلك يبدو مشوشاً إن لم يكن مسدوداً، ويزداد تعقيداً في ظل ذهاب المعسكر المحافظ والنظام إلى خيار التصعيد وتنفيذ القانون الذي أقرّه البرلمان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، والانسحاب من بروتوكول التفتيش المباغت والحد من حجم وأعداد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتالي تضييع فرصة التفاوض التي سبق أن أكد المرشد الأعلى ضرورة الاستفادة من أية فرصة اليوم قبل الغد، من أجل الخروج من العقوبات.

شاهد أيضاً

ليبيا تنتصر

بقلم: ليلى بن هدنة – صحيفة “البيان” الشرق اليوم – تقدم ليبيا اليوم درساً في …