الرئيسية / مقالات رأي / فهم سياسة إيران في الجوار؟

فهم سياسة إيران في الجوار؟

بقلم: محمد الرميحي – النهار العربي

الشرق اليوم- في محاولة للإجابة عن سؤال ملح ومصيري للعرب القريبين من إيران، لماذا تقوم هذه الدولة اليوم بما تقوم به من تدخل بالغ العمق ومخلٍ بأمن المجتمعات العربية المجاورة ويُحدث كل هذه التشنجات في دول الجوار؟ ولماذا باتجاه العرب في غرب إيران وليس باتجاه أي من الدول والمجتمعات الأخرى المحاذية لها في الشرق أو الشمال؟ محاولة الفهم تغوص الى أبعد من الشعارات المطروحة، كمثل “تحرير فلسطين” أو “الدفاع عن المستضعفين”، فهناك قضايا في عالم الشرق الأوسط أكثر إلحاحاً، ولكن إيران ليست معنية بها.

في تقديري أن الإجابة تكمن في “أزمة الهوية العميقة” للحكم الحالي في إيران، والتي تعاني منها إيران منذ فترة في تشكلها كدولة حديثة، وزادت عمقاً في محاولة “التصالح القسري” بين القومية الفارسية وبين الإسلام السياسي. المخزون القومي الإيراني كما تطور بدأ من القرن التاسع عشر الميلادي ثم خصوصاً في القرن العشرين، اتجه لبناء “الأمة الفارسية” الإيرانية، على غرار القوميات في الغرب، معتمداً على قاعدتين، الأولى اللغة الفارسية وتعميمها في كل مناطق إيران، والثانية تاريخ الفرس قبل الإسلام، أي تجاهل او حتى استبعاد المعطى الإسلامي في التاريخ الإيراني والإشارة اليه بأنه “غزو” عربي.

المعضلة أن تصبح قيادة الثورة الإسلامية الإيرانية من رجال الدين وذوي العمامات السود على وجه التحديد، أي من نسل “قرشي، عربي” بعد استبعاد أو تصفية المجموعات القومية الحداثية والتي شاركت في الثورة، رجال الدين من أصل عربي كافتراض أوقع فكرة بناء الأمة على قادة اللغة وتاريخ إيران قبل الإسلام في مأزق وتناقض مغرق في الجموح، لا خروج منه إلا أن تتبنى الدولة الجديدة بقيادة رجال الدين “أرينة العرب” أي جعل العرب الصحراويين البدو والذين حطموا إيران الساسانية المزدهرة من وجهة نظر القوميين الإيرانية، وهي الرواية المثالية للماضي قبل الإسلام، وأن يُخضعوا “للامة الإيرانية” بقيادة رجال الدين “القرشيين” من أجل حل التناقض بين الفكرة القومية الإيرانية وبين حكم له صبغة الإسلام، والذي نظرت له القومية الإيرانية وهي تتشكل على أنه إحتلال، وحتى في التعبير المستخدم في اللغة السياسية الإيرانية الحالية للعرب بأنهم “أعراب” استعارة من القول الكريم وتبريراً للازدراء العرقي، كما أن رجال الدين وهم يجيدون العربية بالضرورة لا يتكلمون بها مسايرة للشعور القومي.

النزعة القومية الإيرانية كما تطورت خصوصاً في بداية القرن العشرين كان همها البحث عن الهوية التاريخية الثقافية – القومية المتفردة والوصول الى دولة قومية لها تميز على ما يحيط بها. التاريخ واللغة كانا أساس السعي لبناء الدولة القومية، فإيران بلد ذو تنوع إثني كبير، فهناك دائرة صغرى هي الدائرة الفارسية وأخرى متقطعة مكوّنة من جماعات من البشر ينظرون الى انفسهم بوصفهم مميزين ثقافياً يشاركون الفرس في سمات ثقافية ولكن ليس كلها.

في بداية القرن التاسع عشر كانت اللغة الفارسية هي اللغة الأولى لنصف سكان إيران فقط، وأعداد كبيرة من الأتراك والأذريين والتركمان وقبائل ناطقة باللغة التركية والأكراد واللور والبلوش والعرب والأرمن والأشوريين، لكل جماعة من هؤلاء لغة وثقافة مشتركة تميزها كثيراً او قليلاً، المشترك الأعظم كان في الدين، إلا أن الدين “الإسلام” مرتبط بالعرب، وهو ما لا ترغب بأقرانه القومية والمتوجهة الى تبني الفكرة القومية المتأثرة بالغرب وبناء الدولة “الأمة” الفارسية.

اعتمدت الحركة القومية اذاً على تجاهل الدين “المذهب” والارتكان الى العنصرين كما ذكر آنفاً، التاريخ قبل الإسلامي واللغة. من هنا أصبحت سيادة اللغة الفارسية على جميع الجماعات المختلفة سياسة يتوجب تطبيقها حتى بالقوة، وهذا ما تم بنشاط في عصر رضا بهلوي 1925 – 1941 والذي اختار إسماً فارسياً لحكمه “بهلوي” وأجبر الجماعات الأخرى على وضع اسم عائلي فارسي والحديث باللغة الفارسية، وكان معجباً بتجربة كمال أتاتورك في التحديث، ولم يتسع له الوقت كما فعل الأخير لتغيير الحروف العربية في لغته. في هذا الوقت خرجت جماعات متعددة من إيران نحو الجوار، سواء العراق أو دول الخليج والتي كانت مقاومة لتلك السياسية القومية المتصفة بالقوة.

التمثيل الرسمي للهوية الإيرانية في عهد البهلوية 1925 – 1979 كان في الواقع تشويهاً لإيران التعددية وصهرها بالقوة كأمة متجانسة وهي ليست كذلك، وحتى اليوم فإن اللغة الفارسية الحديثة لا يتكلمها كل سكان إيران، فما زالت جماعات عرقية مختلفة محتفظة بلغتها وأيضاً بثقافتها الخاصة. وحتى مظاهر السلوك الإسلامي تطغى عليها السلوكيات الزرداشتية، حتى حفلات الزواج “السفرة” هي زرداشتية بامتياز، وما أضيف عليها فقط نسخة من القرآن الكريم.

لقد شدد القوميون الإيرانيون على فكرة أن التخلف الإيراني سببه الإسلام ووجدوا أن إحياء الماضي التاريخي هو السبيل للنهوض وتقليد الغرب في المؤسسات والاختبارات الحضارية هو الطريق الصحيح للخروج من التخلف، ثم جاءهم حكم “إسلامي” من نوع ما، فكانت أزمة الهوية، والطريق المفتوحة للخروج من تلك الأزمة هي دمج الحكم الديني والتفوق القومي العرقي إرضاءً لتلك النزعة والتوسع في الجوار العربي، وهو إرضاء من نوع ما للقوميين بأخذ ثأر الفتوحات العربية وفرض اللغة الفارسية، كما يحدث اليوم في احياء في بيروت ودمشق وصنعاء وبغداد وإشاعه سمة “براند” من الإسلام السياسي ذي الصبغة الإيرانية القمعية.

شاهد أيضاً

ليبيا وقوة القانون

بقلم: ليلى بن هدنة – صحيفة “البيان”  الشرق اليوم – لا تزال الميليشيات في ليبيا …