الرئيسية / الرئيسية / الرد على مغالطات مقال القدس العربي الباحث عن الشعبوية الزائفة

الرد على مغالطات مقال القدس العربي الباحث عن الشعبوية الزائفة

بقلم: مهند الدراجي

الشرق اليوم- نشر الكاتب محمد عبد الحكم دياب، مقالاً بتاريخ 4 ديسمبر، في جريدة القدس العربي بعنوان: “التطبيع… هرولة خليجية وصمود شعبي مصري!!”

ومع كل الاحترام للكاتب لكن مقالته حملت الكثير من الأخطاء والعديد من المشاكل التي تعمدت تشويه مسار السلام العربي القديم والحديث مع إسرائيل، وهو الذي يُجمع عليه الكُتاب والخبراء باعتباره حدث تاريخي كسر الجمود الذي تعاني منه المنطقة، إلا أن البصمة الإخوانية المتناغمة مع الموقف الإيراني، ظاهرة بشدة في كتابة المقال كما هي في نهج الجريدة بشكل عام، وسأحاول الرد باختصار على ما ورد في المقال من مغالطات.

العنصر الأساسي الذي اعتمد عليه الكاتب في المقال هو دراسة حالة الطبقة الإعلامية والفنية الساعية لإبراز ميولها للتعامل مع إسرائيليين أو التعاون معهم – وهو حق أصيل لهم بطبيعة الحال-، وهنا يسرد الكاتب ردود الفعل الشعبية لمقاومة مظاهر “التطبيع” مع إسرائيل، بيد أنه لم يوفق في هذا الربط، وقد أدى استمراره في السرد دون توفر فكرة أساسية واضحة، ودون تواجد هدف مقصود سوى محاولات زرع الفخاخ التي قد يقع فيها قارئيه إلى تسويق قضايا وتوجهات الفكر الإخواني القائم على مهاجة وتخوين من يخالفهم الرأي، ولقد كان لزاماً علينا الرد على كاتب المقال لنوضح الحَسن من الرديء وتقويم التسلسل اللامنطقي واللامنهجي الذي سار عليه الكاتب في مقاله، والذي غاب عنه رجاحة الدلالات وتهذيب الفروقات والحكم من منطلق أن لكل مجتمع وجمهور خصوصياته وأن اليوم يختلف عن الأمس إختلافاً جوهرياً في التوقيت والحدث.

ومن المعيب استغراق الكاتب في الجزئيات دون الأخذ بالصورة الكاملة، وهنا سقط جهده في محاولات لملمة الأحداث التي تلت لقاء الفنان محمد رمضان مع المطرب الإسرائيلي، واستخدامها كأنموذج لتحقيق فكرته بأنها جاءت مخالفة للرغبة السياسية والشعبية في مصر، وإيصال رسالة مفادها أن السير في مسار “التطبيع” خسارة لكل من سعى إلى ذلك، وكان من الأفضل له لو ترك الفنانين شؤونهم الخاصة واعترف أن ما حدث مع الفنان المصري كان بعيداً عن السياسية المصرية، وأن قرار فصله قد أُتخذ من داخل أروقة النقابة التي يقودها أفرادً وشخصيات من أصحاب التوجهات الفنية والأدبية وبعيدين كل البُعد عن الدوافع السياسية بمعانيها الدقيقة، فلم يُلاحق الفنان في المحاكم ولم يخالف القانون، وإذا ما أردنا التمحيص والتوسع أكثر في التفاصيل سيتضح أمامنا أن ردة الفعل ما هي إلى خلافات شخصية في جسد النقابة وليس للأمر صلة بالسياسة.

في حين أن الثوابت والتوجهات المصرية على المستوى السياسي واضحة منذ أن وُقع اتفاق السلام بين بينا جيم ريغان والرئيس الراحل أنور السادات عام 1979، ومنها أصبح السلام مع إسرائيل جزءً لا يتجزأ من أمن مصر واستقرارها، ناهيك عن الروابط الاقتصادية والدبلوماسية بين الطرفين والتي لا تُعد ولا تُحصى.

مشكلة الكاتب والمعارضة الإخوانية، هي تركيزهم على الجانب المعتم من السلام العربي الإسرائيلي، مقابل تحجيم المنافع الكبيرة للشعب الفلسطيني من خلال الدور المصري أولاً؛ كوسيط ومحكِّم في العديد من التوترات بين الداخل الفلسطيني وإسرائيل، والأمر كذلك في اتفاقية السلام الإماراتي والتي منعت إسرائيل من ضم منطقة غور الأردن، متجاوزً بذلك جمود التنديد والتشكيك، ولذلك لا يعني أن الدول التي تمتلك معاهدات سلام مع إسرائيل أو تلك التي لا تمتلكها قد تتنازل عن موقفها المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني.

وثمة مسألة إشكالية يتم ربطها دائما عند الحديث عن اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية، وهي الرأي العام والمطالب الشعبية، وهنا لم يعد نافعاً التطرق للمزاج العربي العام في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، والذي كان يرزح تحت مقولات القومية والشعارات الثورية والتي شكلت نقطة الانطلاق لتوجيه الاقتصاديات العربية نحو العسكرة دون النظر في ضرورات البناء والتنشئة للإنسان والبلاد، وإذا ما أردنا البحث عن الأسباب التي أدت إلى تقدم العالم ثقافياً وبنيوياً وحضارياً في حين بقيت برامج ومشاريع التنمية العربية في الأدراج. فإننا سنجدها في مضمون هذه الشعارات.

وفي الحقيقة ثَم خطاب عربي مغاير اليوم ينفي تماماً المغالطات التي أوردها الكاتب، هذا الخطاب يطالب بتوفير مقومات حياة أفضل ومستوى رفاهية أعلى واقتصاد وطني قوي وسوق عمل كبير، ولو استفتى اليوم الشعب العربي لن نجد المسألة الإسرائيلية هي هاجسه الأول ولا حتى الأخير، حتى أن القليل بات يصف إسرائيل بالمحتلة بشكل مطلق، وباعتقادي فإن النظر إلى إسرائيل من منظور سياسي واستيطاني يضر بالشعب الفلسطيني دون سواه.

ومن أشد المغالطات، مقارنة السلام المصري مع إسرائيل باتفاقيات السلام الإماراتية أو البحرينية، ذلك أن مصر وإسرائيل خاضتا أربع حروب في أقل من عقدين، وكان المكسب الأعظم من اتفاقية السلام هو السلام بحد ذاته، في المقابل، إن معاهدات السلام الحديثة لم تخلق ظاهرة جديدة، حيث إن إسرائيل تقع في صلب العالم العربي، وإن الخطة الخليجية ما هي إلا محاولة للكشف عن الفرص الموجودة والمتوفرة هناك، والتي تم تغييبها على مدى العقود السابقة، وتأتي هذه المعاهدات بعد سلسلة طويلة من الخيبات العربية.

والدرس الأول الذي تعلمته الشعوب العربية هو التوقف عن توظيف إسرائيل باعتبارها “فزاعة” أو ورقة ضغط على الشعوب العربية أو أنها مشكلة عصرنا الحالي، في حين أنها تمتلك الاقتصاد الأقوى في المنطقة ومجهزة بقوة عسكرية هائلة إضافة إلى إمكانيات بحثية وأُطر موسعة من الابتكارات والريادية، وبالتالي قد تشكل فرصاً اقتصادية واجتماعية وسياسية للشعوب العربية لتحقيق التنمية والاستدامة، وهذه الفرص هي التي أبصرتها أعين الدول الخليجية ولأجلها آمنت بالسلام وسعت إليه، ولذلك فالدول الخليجية اليوم لا “تهرول” وهي الكلمة التي استخدمها كاتب المقال نحو إسرائيل، بل تهرول في البحث عن الفرص الاقتصادية المتاحة لها.

وليس المهرولين نحو الفرص من يستحقون اللوم، بل أولئك الذين يهرولون بالخفاء ولا يُلقى لهم بالاً في الكثير من مصادر الإعلام الموجه، فالكل يعلم أن الإخوان المسلمين ومن ورائهم إيران لديهم علاقات واتصالات مع إسرائيل بالفعل، ولكنها على عكس ما أراده من أعلنوا عن اتفاقياتهم بالنور وحددوا مبتغاهم ووجهوا مستثمريهم، بل ظلت علاقة الإخوان وإسرائيل في الغرف المغلقة، وهنا يتبادر إلى ذهني تساؤل هام: لماذا تغض الكثير من قيادات الإخوان المتواجدة في تركيا الطرف عن العلاقات التجارية التركية الإسرائيلية في حين تشن حملة تشويه ضد الدول العربية الساعية لذلك.

وفي الختام، كان الأجدى بالكاتب الحث على إتباع النموذج الأسلم، دون الإلتزام بتوجه سياسي في وقت كان الإلتزام بالحيادية والتحليل الموضوعي أنفع، ولو قيلت هذه الآراء من وجه نظر حيادية لكانت أنفع وأجود، ولا يجب أن يكون المعيار الوحيد للحكم على قضية ما هو موقف الإخوان المسلمين منها، لأن أكثرية الشعب العربي تقف في موقع مغاير عن أفكار الجماعة، وبالتالي لا يمكن القول إن هذا هو موقف الشعب العربي، الذي يرى شعوب العالم تعيش ضمن مستويات مرتفعة من الرفاهية بينما يبقى هو أسير حرب لن تأتي أبداً، وأخص بالقول هنا الشعب الفلسطيني الذي يطالب بالكثير دون تقديم القليل له من قبل أولئك الذين يزعمون دعمهم للمقاومة والسلاح لتحرير الأوطان، والأنجع هو استخدام لغة العصر ومقوماته من خلال إدراك الحقائق السياسية والوعي بقوة الاقتصاد وطرق أبواب الدبلوماسية لتحقيق الاستقرار والتنمية التي افتقدتها الشعوب العربية والشعب الفلسطيني على وجه التحديد منذ عقود.

الكاتب: مهند الدراجي – دكتوراة في العلاقات الدولية

شاهد أيضاً

إيران أكبر عدو لنفسها

بقلم: طارق الحميد- الشرق الأوسطالشرق اليوم– ارتكب النظام الإيراني برده الهزلي على إسرائيل خطأ استراتيجياً …