الرئيسية / الرئيسية / مترجم: الأتمتة وعواقبها الاقتصادية

مترجم: الأتمتة وعواقبها الاقتصادية

الشرق اليوم- بينما تستحوذ قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على العناوين الرئيسية في المملكة المتحدة وغيرها من الأماكن حول العالم، تستمر مسيرة التشغيل الآلي (الأتمتة) الصامتة. يتناول أغلب أهل الاقتصاد هذا الاتجاه من منظور إيجابي، فيزعمون أن التكنولوجيا ربما تدمر الوظائف في الأمد القريب، لكنها تخلق وظائف جديدة وأفضل في الأمد الأبعد.

والواقع أن تدمير الوظائف أصبح واضح ومباشر: إذ تقوم شركة ما بأتمتة سير ناقل، أو عملية الخروج من سوبرماركت، أو نظام للتسليم، ثم تقرر استبقاء 10% فقط من العاملين لديها كمشرفين، وفصل بقيتهم. ولكن ما يحدث بعد ذلك يكون أقل وضوحا بدرجة كبيرة.

تتلخص الحجة الاقتصادية النمطية، في أن العمال المتضررين بالأتمتة يفقدون وظائفهم في بداية الأمر، لكن السكان ككل يجري تعويضهم لاحقا. على سبيل المثال، يزعم الخبير الاقتصادي كريستوفر بيساريديس الحائز على جائزة نوبل، وجاك بوجين من معهد ماكينزي العالمي، أن زيادة الإنتاجية الناجمة عن الأتمتة “تعني ضمنا نموا اقتصاديا أسرع، والمزيد من الإنفاق الاستهلاكي، وزيادة الطلب على العمالة، وبالتالي خلق فرص عمل أكبر”.

لكن نظرية التعويض هذه شديدة التجريد. فبادئ ذي بدء، يتعين علينا أن نميز بين الابتكارات “الموفرة للعمالة” والإبداعات التي تعمل على “زيادة العمالة”. فالإبداع في المنتجات، مثل اختراع السيارة أو الهاتف المحمول، يعمل على زيادة العمالة. وعلى النقيض من هذا، يعمل الإبداع المرتبط بالعمليات، أو ابتكار طريقة إنتاجية محسنة، على توفير العمالة، لأنه يمكن الشركات من إنتاج نفس الكمية من سلعة أو خدمة قائمة بالاستعانة بعدد أقل من العمال.

صحيح أن الوظائف الجديدة التي يخلقها الإبداع في مجال المنتجات ربما يعوض عنها “تأثير الاستبدال”، حيث يؤدي نجاح المنتج الجديد في جعل العمالة الموظفة في إنتاج المنتج القديم زائدة عن الحاجة. لكن التحدي الأكبر يأتي من الإبداع في عمليات الإنتاج ذاتها، لأنها تعمل فقط على إزاحة الوظائف، ولا تخلق وظائف جديدة. وحيثما كان إبداع العمليات هو المهيمن، فإن آليات التعويض فقط يمكنها المساعدة في منع ارتفاع البطالة، أو ما أسماه الخبير الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو “الفائض” السكاني.

هناك العديد من هذه الآليات. فأولا، تعمل زيادة الأرباح على زيادة الاستثمار في تكنولوجيات جديدة، وبالتالي منتجات جديدة. بالإضافة إلى هذا، تؤدي المنافسة بين الشركات إلى انخفاض عام في الأسعار، مما يزيد الطلب على المنتجات وبالتالي العمالة. وأخيرا، يعمل انخفاض الأجور نتيجة للبطالة التكنولوجية الأولية على زيادة الطلب على العمالة واستحثاث العودة إلى طرق إنتاجية أكثر اعتمادا على العمالة الكثيفة، فيفضي هذا إلى استيعاب العمال الزائدين عن الحاجة.

وتتوقف سرعة عمل آليات التعويض هذه على مدى سهولة انتقال رأس المال والعمالة بين المهن والمناطق المختلفة. وسوف يؤدي إدخال أي تكنولوجيا موفرة للعمالة إلى خفض الأسعار، لكن هذا يعمل أيضا على تقليص الاستهلاك من قِبَل العمال الذين أصبحوا زائدين عن الحاجة. إنها إذا مسألة أي التأثيرين أسرع. يزعم خبراء الاقتصاد من تلامذة جون ماينارد كينز أن انخفاض الطلب على السلع نتيجة للبطالة سيكون هو الأسبق، فيهيمن بالتالي على انخفاض الأسعار الناتج عن الأتمتة. وسوف يؤدي هذا إلى زيادة أخرى في البطالة، في الأمد القريب على الأقل.

علاوة على ذلك، حتى لو كانت هذه الخسائر في الوظائف مجرد ظاهرة قصيرة الأمد، فإن التأثير التراكمي لسلسلة من الإبداعات الموفرة للعمالة بمرور الوقت ربما يفضي إلى بطالة طويلة الأجل. فضلا عن ذلك، تفترض آلية ضبط الأسعار الفعالة الانتشار العام للمنافسة. ولكن في سوق احتكار القِلة، قد تستخدم الشركات ما توفره من التكاليف لتعزيز الأرباح وليس خفض الأسعار. كما تدعم مثل هذه الاعتبارات نظرة معاصرة مفادها أن الفوائد المترتبة على الأتمتة طويلة الأجل، في حين من المحتم أن ترتفع “الزيادة عن الحاجة” خلال “فترة انتقالية”. ولكن عندما يكون من المحتمل أن تستمر الفترة الانتقالية لعقود من الزمن، كما يعترف تقرير معهد ماكينزي العالمي الصادر مؤخرا، فليس من المستغرب أن يشكك العمال في هذا العدد الكبير من حجج التعويض.

شاهد أيضاً

إيران أكبر عدو لنفسها

بقلم: طارق الحميد- الشرق الأوسطالشرق اليوم– ارتكب النظام الإيراني برده الهزلي على إسرائيل خطأ استراتيجياً …